ولقد حكى عن عمرو بن العاص « 1 » - رحمه اللّه - أنه مرّ باليمامة ، فأتى مسيلمة الكذاب ليختبر ما عنده ، فقال له مسيلمة : ما الذي نزل على صاحبكم في هذه الأيام ؟ .
فقال عمرو : نزل عليه
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
فقال مسيلمة : قد « 2 » نزل عليّ نحو من هذا .
فقال له عمرو : وما ذلك ؟
فقال يا وبر يا وبر « 3 » ، أذنان وصدر ، وسائرك حقر نقر « 4 » ، كيف ترى يا عمرو ؟
فقال له عمرو : إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب « 5 » « 6 » . فقد خرج مسيلمة بهذا
هامش
( 1 ) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي ، أبو عبد اللّه أسلم في هدنة الحديبية ، وكان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام ، وهو أحد دهاة العرب ، فتح مصر وغيرها من البلدان . توفي سنة ( 43 ه ) - رضي اللّه تعالى عنه - .
انظر : الاستيعاب 8 / 222 ، والإصابة 7 / 122 ، رقم 5877 ، والأعلام : 5 / 79 .
( 2 ) في د ، ظ : لقد .
( 3 ) قال ابن كثير : « والوبر دويبة تشبه الهرّ ، أعظم شيء فيه : أذناه وصدره ، وباقيه دميم » تفسيره 4 / 547 ، وراجع اللسان : 5 / 272 ، ( وبر ) .
( 4 ) النقر والنقرة والنقير : النكتة في النواة ، كأن ذلك الموضع نقر منها ، فقوله : حقر نقر : على الاتباع ، كما تقول : حقير نقير اللسان 5 / 228 ( نقر ) .
( 5 ) في د : أنك لتكذب .
( 6 ) ذكر هذا ابن كثير في تفسيره 4 / 547 ، بصيغة : وذكروا . . . . إلخ وذكره كذلك في البداية والنهاية 6 / 331 بصيغة : وروينا . . . إلخ وذكر نحوه الخطابي بسنده . انظر ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 56 إلّا أنّ ابن كثير يذكر هذا عن عمرو بن العاص وهو لا زال في الجاهلية والخطابي يقول :
إنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عمرو بن العاص إلى البحرين . . . فمر على مسيلمة . . الخ .
والذي ترجح عندي وملت إليه أنّ مرور عمرو بن العاص بمسيلمة كان بعد إسلامه بدليل ما يأتي :
أولا : قول الخطابي : إنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعث عمرو بن العاص إلى البحرين فمر على مسيلمة .
ثانيا : أنّ ابن كثير يقول : والصحيح أن عمرو أسلم قبل الفتح بستة أشهر - أي في هدنة الحديبية - انظر البداية والنهاية : 8 / 27 . وراجع 4 / 238 ، من المصدر نفسه وسيرة ابن هشام :
2 / 277 .
ثالثا : ذكر ابن حجر أنّ عمرو بن العاص قدم عمان - وهي قريبة من البحرين - من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . . وكان ذلك بعد خيبر .