والسحر ، فكيف يترك من هذه حاله معارضته ، وهو قادر عليها ومماثلته وهو واصل إليها « 1 » ؟ ! هذا وهو ينادي عليهم بقوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » . مع ما فيه من سبهم وسب آبائهم ، ووصفهم بالجهل والعجز ، وإيعادهم بالعذاب والنكال وسوء المنقلب ، ورميهم بالكذب والافتراء ، وتقبيح الأفعال ، وتهجين ما هم عليه من الأحكام الفاسدة ، وإطالة القول في ذلك ، وفي شرح أحوالهم واستقباح أعمالهم ، وفيما أعد لهم من الهوان والنكال في الدنيا والمآل « 3 » . أليس هذا وشبهه ممّا يحملهم على المعارضة لو كانوا قادرين عليها « 4 » ؟ ! ومما يجذبهم إلى المناظرة لو وجدوا سبيلا إليها « 5 » ؟ .
وحالهم في الجدال معلومة ، وأمورهم في تفاخرهم وطلبهم الترفّع مفهومة ، وقد كانوا يجعلون أموالهم دون أعراضهم ، ويهون عليهم كل مستصعب في بلوغ أغراضهم ، فإذا هجاهم شاعر جدّوا في معارضته وإجابته ، واستعانوا على ذلك بمن يحسنه ويظهر عليه في مقاولته ومحاورته « 6 » ، فلا ريب إذا في أنهم راموا ذلك فما أطاقوه ، وحاولوه فما استطاعوه ، وأنّهم رأوا نظما عجيبا خارجا عن أساليب كلامهم ، ورصفا بديعا مباينا لقوانين بلاغتهم ونظامهم ، فأيقنوا بالقصور عن معارضته ، واستشعروا العجز عن مقابلته .
وهذا هو الوجه في إعجاز القرآن ، كما قال بعضهم : القرآن لا يدركه عقل ولا يقصر عنه فهم .
هامش
( 1 ) راجع المصدر السابق والشفا للقاضي عياض 1 / 267 .
( 2 ) الإسراء ( 88 ) .
( 3 ) راجع ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 21 ، وإعجاز القرآن للباقلاني : 20 .
( 4 ) يقول الباقلاني : « . . ألا ترى أنّهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا ؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة وأخبار مشهورة وآثار منقولة مذكورة ، وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة . .
ويتفاخرون بينهم ، فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها » .
إعجاز القرآن : 23 .
( 5 ) يقول عبد القاهر الجرجاني : « إنّهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله ولم تحدثهم أنفسهم بأنّ لهم إلى ذلك سبيلا على وجه من الوجوه . . » إلى آخر ما ذكره من إبائهم ومحاولتهم الانتصار والظهور على منافسيهم في هذا المجال .
انظر ثلاث رسائل في إعجاز القرآن 119 .
( 6 ) في ظ : ومجاوزته .