من الواجدين والمتحققين بسماع الخطاب من العارفين ، ومن هذا السماع انعزلت أسماع العموم ، قال اللّه سبحانه :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ .
قال ابن عطاء : لا يسمعون ولا يفهمون كما أخبر اللّه عن قوم أنهم ينظرون ولا يرون ، كذلك هؤلاء يسمعون ولا يفهمون ؛ لأنهم
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
حرموا فهم معاني السماع .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 214 إلى 226 ]
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 )
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 )
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 )
قوله :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 215 ) بيّن أن حقيقة العامل ما يكون علي الأقرب والمواساة للأبعد ؛ لأن الأقرب يكون في منازل المهابة والأمر عليه أشد أي : أخبر الأقربين من عظيم جلالي وعزتي وسطوات كبريائي وعظمتي ، فإني أشدد على الأقرب ما أشدد على الأبعد وواس الضعفاء ؛ فإنهم لا يحتملون أثقال حقائق الأمور ليحتملوا بك ما يكلفهم ، وأيضا أي : خوّف أهل العناد وراع أهل المراد ، أمر بالتسليط على المنكرين والعاندين ، وأمر بالتواضع وخفض الجناح للمتواضعين والعارفين .
قال سهل : خوف الأقرب منك ، واخفض جناحك للأبعدين ، دلهم علينا بألطف الدلالة ، وأخبرهم إلى جواد كريم .
قال ابن عطاء في قوله :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ *
: ليّن جانبك ؛ فإنهم على حدّ الترسم بالعبادة لا التحقق بها ، والمتوثب على اللّه أشد من قارئ ألبس قميص النسك .
ثم أعلمه وأمره بالإعراض عن المعاندين بقوله :
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
( 216 ) أي : لا تراع قربتهم منك ، وراع ما أمرناك ، ولا تخف من خذلانهم ، وارجع إليّ بنعت تفويض أمرك إليّ فذلك قوله :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
( 217 ) أي : أقبل على العزيز ليعزك على الكل ويرحمك بمواصلتك وكشف اللقاء لك .