قوله تعالى :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
: أدّب حبيبه حين غلب عليه شوق لقائه ، وثقل عليه رؤية غيره ، وأراد أن يصل إلى جواره ، فأمره بالصبر في ميادين بلائه بامتحانه ؛ ليعرّفه شرائف مقاماته في معرفة الذات والصفات ، ويسرج من سراجه سراج العارفين والموحدين ، فيرشدون برشده ، ويرون الحق بنوره ، فقال اللّه تعالى :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
، في قلة صبره عن مشاهدته ، وبلاء استتاره والفناء تحت جريان امتحانه ، وذلك حين نادى في ظلمات بطن الحوت ، وهو مغتمّ تحت ذل الحجاب ، فتلطف عليه الحق كاشف عنه غمة الفرقة ، وأراه جماله ، وذلك قوله :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ
:
سوابق نعم الاصطفائية الأزلية ، لكان في أرض الحجاب ذليلا ، ولكن أغاثته الاجتبائية والاصطفائية من ذلك الحجاب ، وشرفه بكشف النقاب ، وجعله من المتمكنين في النظر إلى وجهه لم يقع بعد ذلك إلى بحر الامتحان ، ولا في حجاب الحرمان .
قال اللّه تعالى :
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 50 ) .
قال الجنيد في كتاب « صبر الأنبياء » : قال اللّه لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم المصطفى وحبيبه المرتضى :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
: يستكشف لندائه ما مسه من ألم بلائه ، ويستغيث مع وجود العزم على القيام بواجب الصبر ، خوف دخول العجز ، وإشفاقا من ملامة العلم عند الإصغاء إلى الإبقاء على النفس التي لولا تدارك المنعم بالحفظ عند أول باد من البلاء لدخل العجز بسلطان قهره عليها ، لكن لوّح له تعريض الخطاب :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
، لما سبق عنده من حكم الاختيار في قديم العلم .
قال الواسطي : الاجتبائية أورثت الصلاح ، لا الصلاح أورث الاجتبائية .
سورة الحاقة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 1 إلى 8 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ( 3 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ( 4 )
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 )