تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
الصلاة والسلام ؛ إذ رآه نزله أخرى عند سدرة المنتهى ، ظن عليه الصلاة والسلام أن ما رآه في الأول لا يكون في الكون لكمال علمه بتنزيه الحق ، فلما رآه ثانيا علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان ، وعادة الكبرياء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان كريما ، فهذا من اللّه سبحانه إظهار كمال حبه لحبيبه صلى اللّه عليه وسلم ، وحقيقة الإشارة أنه سبحانه أراد أن يعرف حبيبه مقام الالتباس ، فلبس الأمر ، وظهر المكر ، وبان الحق من شجرة سدرة المنتهى كما بان من شجرة العتاب لموسى ؛ ليعرفه حبيبه عليه الصلاة والسلام بكمال المعرفة ؛ إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في لباس مختلفة ، وبيان ذلك . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 16 إلى 22 ] إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) أَ فَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) قوله سبحانه :
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
: وأبهم ما غشيه ؛ لأن العقول لا تدرك حقائق يغشاها ، وكيف يغشاها والقدم منزّه عن الحلول في الأماكن ، كان ولا شجرة ، وكانت الشجرة مرآة لظهوره سبحانه سبحانه ، وألطف ظهوره :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
بعد عرفانهم به ، ثم وصف حبيبه بأنه ما التفت إلى غيره من الجنان والملكوت في رؤية جلاله بقوله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
: ذكر هذه الآية إلى الرؤية الثانية ؛ لأن في الرؤية الأولى لم يكن شيء دون اللّه ؛ لذلك ما ذكر هناك غضّ البصر ، وهذا من كمال تمكين الحبيب في محل الاستقامة وشوقه إلى مشاهدة ربه ؛ إذ لم يمل إلى شيء دونه ، وإن كان محل الشرف والفضل . قال الواسطي في قوله :
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
: أفتشكّون في دنو مقامه منا وقربه ، ولا يشكّ في دنوه إلا من هو محجوب عن علو محله ومرتبته . وقال بعضهم : ما يرى منا بنا ، وما يرى منا بنا أفضل مما يراه منا به . وقال الواسطي : إلى سدرة المنتهى يبلغ كشف الهموم إلا لرجل واحد ، وهو الذي دنا فتدلى ، مر على سدرة المنتهى ،
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى .
وقال سهل في قوله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
: لم يرجع محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى شاهد نفسه ، ولا إلى مشاهدتها ، وإنما كان مشاهدا بكليته لربه تعالى ، يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل ، ثم بيّن اللّه سبحانه أراه من آياته العظام ما لا يقوم برؤيتها أحد سوى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك بعد أن ألبسه قوة الجبارية الملكوتية بقوله :
لَقَدْ رَأى مِنْ