تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
قال بعضهم : أوصى اللّه العوام ببرّ الوالدين لما لهما عليه من نعمة التربية والحفظ ، فمن حفظ وصية اللّه في الأبوين وفقته بركة ذلك لحفظ حرمات اللّه تعالى ، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظة عليها توصل بركاتها بصاحبها إلى محل الرضا والأنس . وقوله تعالى :
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
: وصف اللّه الصدّيقين في طرفين من أعمارهم أنهم في عنفوان شبابهم ، وأشد أسنانهم أهل الاجتهاد والرغبة في الطاعات ، وفي أربعين سنة هم أهل الكمال في العقول والفهوم والاستعداد لقبول الوحي والإلهام والكلام والكشف والعيان ، ألا ترى كيف عرف شأنه الصديق رضي اللّه عنه حين بلغ أربعين سنة في صحبة النبي صلى اللّه عليه وسلم في أول شبابه بما أخبر اللّه عنه بقوله :
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
: ألهمني رشد التوفيق ، وألبس قلبي ولساني نور عرفانك وقوة فيض مشاهدتك ، أشكر بهما نعمة مشاهدتك ومعرفتك وصحبة رسولك ؛ فإنه أعظم النعم منك عليّ وعلى والدي . قال ابن عطاء : خاطب اللّه الأنبياء ، وبعثهم عند كمال الأوصاف وتمام العقول ، وهو الوقت الذي أخبر اللّه تعالى عن تمام خلقه عباده ،
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً .
وقال سهل في قوله :
رَبِّ أَوْزِعْنِي
أي : ألهمني التوبة والعمل بالطاعة . وقوله تعالى :
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
: العمل الصالح المقرون بالرضا بذل النفس للّه والخروج مما سوى اللّه للوصول إلى مشاهدة اللّه . قال سهل : العمل المرضي ما كان أوائله على الإخلاص مقيدا باتباع السنن . قوله تعالى :
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
: اجعلهم أولياءك وأهل معرفتك وطاعتك . قال سهل : اجعلهم لي خلف صدق ، ولك عبيد حقّ . وقال محمد بن علي : لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 29 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قوله تعالى :
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا
: وصف اللّه أهل معرفته من الجن كيف حبست ألسنتهم هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة ، وهكذا من ألبس أنوار الهيبة والعظمة يخرس لسانه عن الانبساط والمخاطبة وإفشاء السر ، وهذا بعد شهود القلوب أنوار الغيوب بنعت إصغاء الأسرار إلى وقوع الخطاب وكشف النقاب . قال محمد بن سليمان : ليس في مقام الحضرة إلا الخمول والذبول والسكون تحت