وقال الجنيد في قوله :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
: انقطعوا عن الكل بالكلية ، فما يرجع إلينا بالحقيقة أحد ، وللغير إليه أثر ، وللأكوان على سرّه خطر ، ومن كان لنا كان حرّا مما سوانا .
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 61 ]
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 )
قوله تعالى :
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
أي : ينجّي اللّه الذين تقدس أسرارهم من الالتفات إلى الحدثان في محبة الرحمن عن الحجاب والحرمان يوم الكشف والعيان ،
بِمَفازَتِهِمْ
« 1 » : بما كان لهم في اللّه في أزل أزله من محبتهم وقبولهم بمعرفته وحسن وصاله ودوام شهود جماله ،
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
أي : لا يلحق بهم في منازل الامتحان تفرقة عن مقام الوصلة وحجابا عن جمال المشاهدة ،
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
بفوت المراد في المعاد .
قال الواسطي : ينجيهم بما سبق لهم من الفوز ،
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
: زوال النعمة ،
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على الفوات .
وقال القاسم : بسعادتهم السابقة وقضيته فيهم الماضية لهم وعليهم ، لا بنفوسهم المتعبة في العبادات .
وعن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد قال : بسعادتهم القديمة صدق أكابر القوم في هذه الآية بأن نجاة الصديقين بالسعادة الكبرى مما يحل يوم القيامة على أهل الدعوى الذين ما شموا رائحة المقامات ، وما سلكوا مسالك المجاهدات ، وما أدركوا من لوائح أنوار المشاهدات ذرة ، فيفتضحون يوم القيامة عند وجوه الصادقين ، بقوله سبحانه :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
، بل هم يفتضحون في الدنيا عند أهل معرفة اللّه .
قال يوسف بن الحسين : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من ادّعى في اللّه ما لم يكن له بذلك ، وأظهر من أحواله ما هو خال عنها ، قال اللّه :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ .
هامش
( 1 ) بفوزهم ، مصدر ميمي ، يقال : فاز بالمطلوب : ظفر به ، والباء متعلقة بمحذوف ، حال من الموصول ، مفيدة لمقارنة نجاتهم من العذاب بنيل الثواب ، أي : ينجيهم اللّه من مثوى المتكبرين ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم أو : بسبب فوزهم بالإيمان والأعمال الحسنة في الدنيا ، ولذا قرأ ابن عباس : ( بمفازتهم بالأعمال الحسنة ) البحر المديد ( 5 / 337 ) .