تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
أول رغبة السالك مثل الماء الذي وصل إلى البذر في الأرض عند شروعه في المجاهدات والرياضات ؛ لقوله :
فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
، فكثرت عليه الأعمال الوافرة المتنوعة من تصفية القلب
مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ
، ورياضة النفس مما يأكل الأنعام ، فتمكن في العبادات وصفاء الأوقات ، وفرح بما تسهل إليه من شمائل ألطافه ،
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها
: بهجة العبادات وزينة الطاعات ، وظنّ أنها تجري بمراده إلى المال ،
وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها
فيخرج عليه عساكر القهريات من مكمن الآفات مع مفاداته ، والعجب والرياء منه ،
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً
، فلما تعجب بنفسه ورأى أعماله تجيء عليه النفس والشيطان ويغريانه بالعجب والرياء والسمعة ، فجاء قهر اللّه بفصاحته من عند ليالي قبائحه أو نهار طاعاته ، فجعلها هباء منثورا كقوله :
فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
، وهذا المثل لا يعرفه إلا من له نظر الاعتبار ونور الاستبصار ؛ لقوله :
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
، نعوذ باللّه من قهر اللّه ، ما أطيب زمان الإرادة والرقة والصفاء ، يا ليت لو يبقى المريد في شأنه ، لكن يغرقه قهر الغيرة في بحر الوساوس والمخائيل والرياء والسمعة حتى لا يجد من زمان الصفاء في قلبه ذرة :
فقدناه لّما تمّ واعتمّ بالعلا كذاك * خسوف البدر عند تمامه
ويقال : كما أن الربيع تتورد أشجاره ، وتظهر أزهاره ، وتخضر رباعه ، وتتزين بالنبات ألوانه وطلاعه ، ثم لا يؤمن أن تصيبه آفة من غير ارتقاب ، وينقلب الحال بما لم يكن في حساب كذلك من الناس من يكون أحواله صافية وأعماله بشرط الجلوس زاكية ، وغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة ، ثم تصيبه عين فيذبل عود وصاله ، وينسد أبواب عقائد إقباله كما قيل :
عين أصابتك إنّ العين صائبة * والعين تسرع أحيانا إلى الحسن
قال رجل لأبي محمد الجريري - رحمة اللّه عليه : كنت على بساط الأنس ، وفتح لي طريق إلى البسط فزللت زلة ، وحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه ، دلني على الوصول إلى ما كنت عليه ؟ فبكى أبو محمد ، وقال : يا أخي الكل في قهر هذه اللحظة ، لكني أنشدك أبياتا لبعضهم . فأنشد يقول :
قف بالديار فهذه آثارهم * تبكي الأحبة حسرة وتشوّقا
كم قد وقفت بها أسائل * مخبرا عن أهلها أو صادقا أو مشفقا