تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ولم لطالع لا يعلمه إلا اللّه ؛ فهو أخفى من الحقائق ، فإذا ظهر معلومه أبدى علمه . قال الواسطي : السرّ ما خفي على العباد ، والذي هو أخفى ما لم يقل له كن . قال الجنيد : يعلم سره فيك ، وأخفى سره عنك . وقال جعفر الصادق : السرّ موضع الإرادة ، وأخفى موضع الخطرة والمشاهدة . وقال الأستاذ : فالنفس ما تقف على ما في القلب ، والقلب لا يقف على أسرار الروح ، والروح لا سبيل له إلى حقائق السر ، والذي هو أخفى من السر فما لا يطلع عليه إلا الحق ، ويقال : الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان ، ولا يكتبه الملكان ، ويستأثر بعلمه الجبار ، ولا يقف عليه الأغيار ، ولما تفرد بنفسه بالاطلاع على السر والخفيات نفى عن ساحة كبريائه من لم يستحق للفردانية الأزلية ، والعلم الشامل بأسرار الحوادث وخفيات الضمائر ، ووصف نفسه بذلك .

[ تفسير الآية 8 ]

وقال :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( 8 )
فمعاني الأسماء بالحقيقة سر من حيث يعبر حقائق الصفات ، وما في الذات من علوم القدمية وأسرار الأزلية وهو أخفى من سر الأسماء أخبر سبحانه حبيبه من أسراره التي بينه وبين كليمه موسى وتلك الأسرار أعجب العجائب .

[ تفسير الآية 10 - 9 ]

أما غرب الغرائب من علوم أسراره وحقائق أنواره بقوله :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 )
ما أطيب ذكر قصة الكليم للحبيب خص أن الحبيب الأكبر ذكر حال الكليم للحبيب ؛ لأن الحبيب يستأنس بسميه من الأحياء ، لذلك قصّ اللّه قصة الأنبياء لحبيبه ثم بيّن يد وحال كليمه بقوله :
إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً
. لما كمل كليم اللّه كمل في الإرادة ودخل في الإرادة ودخل من الإرادة إلى مقام المحبة ترك الوسيلة الصغرى وهي خدمة شعيب ، ووقع في الوسيلة الكبرى ، هي رؤية النار في الشجرة وتلك بداية مكاشفته وسماع خطاب الحق سبحانه ، فوقعت مكاشفته قبل الخطاب وهو مقام الكبراء في المعرفة ،

[ تفسير الآية 11 ]

ثم وقع بعد ذلك في بحر الخطاب ، وذلك قوله :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى
؛ فإذا أراد اللّه أن يعرفه مقام رؤية الصفات في الأفعال تجلى بجلاله لكسوة النار ، ثم تجلى من كسوة النار لكسوة الشجرة ثم تجلى من الشجرة لموسى ، وذلك مقام أسرار الالتباس الذي يجذب بالحق عشاقه إلى معادن الألوهية ليصيروا بعد ذلك موحدين ؛ فرباهم في البداية في مقام العشق برؤية أنوار الصفات في الأفعال حتى لا يفنوا بالبديهة في سطوات عظمته ، ولو يريهم صرف عيان الذات يصيرون مضمحلين في أنوار قدسه جعل الشجرة مرآة للنار ، وجعل النار مرآة للنور ، وتجلى منهما لموسى فرأى موسى نيران الكبرياء ، وأنوار البقاء