تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 86 إلى 100 ] حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 ) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ( 88 ) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً ( 91 ) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 92 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ( 93 ) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ( 95 ) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ( 96 ) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( 97 ) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 )

[ تفسير الآية 84 ]

قوله تعالى :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
أخبر سبحانه عن ذي القرنين عليه السلام أن أعطاه خلقه قدرته ، وألبسه تمكين فعل حتى سهل له قلب الأشياء ، وكان يفعل ما يشاء باللّه ، ويحكم بحكمه ما يريد ، وكان مجمع عين الجمع من حيث نور تجلي الذات والصفات والفعل فيه معنى
وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
من كل ما في الملكوت السفلي له برهانا ، وحكمة ، وعلما ، ومعرفة باللّه ، وسببا إلى قرب اللّه من أن ذلك الشيء له ، كان مرآة الحق يرى فيها علوم الغيبية ، وحكم القدرية ، ويبلغ بها إلى معادنها من أسرار الأزلية فكان مقام تدريج الترقي من عالم الفعل إلى عالم الصفة ، ومن عالم الصفة إلى عالم الذات ، ولو كان على محل تحقيق الكلي ؛ لما أحاله الحق إلى الأسباب من الأشياء ، الحدثاني التي هي وسائط الحكمة ، وأخرجه من الأشياء إلى معدن الأصل ، وهو دنو الدنو كما فعل بحبيبه عليه السلام حيث أخرجه من الحدثان وأفرده من جميع الأسباب ، وبلغه إلى حقيقة الحقيقة ؛ حيث شاهد الحق بالحق وفني الكل فيه ، ولم يصرف طرفه إلى الغير ؛ حيث لا حيث ولا غير . وهذا وصف قول اللّه سبحانه وتعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
[ النجم : 8 ] . وقال :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ النجم : 17 ] . قال ابن عطاء في قوله :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ
جعلنا الدنيا طوع يده فإذا أراد طويت له