فينا بالتثاقل بالقيام إلى أوامرنا .
قال الأستاذ : العارفون مستقدمون بهممهم ، والعابدون مستقدمون بقدمهم ، والتائبون مستقدمون بندمهم ، وأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة ، والآخرون مستأخرون بهممهم وهم الراضون بخسائس الحالات .
ويقال : المستقدمون الذين يستجيبون خاطر الحق من غير تعرج عن تفكر ، والمستأخرون الذي يبصرون إلى الرفض والتأويل .
[ تفسير الآية 26 ]
قوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
إن اللّه سبحانه كان موصوفا في الأزل بالقهر واللطف وللصديقين منه لها تأثير في تجليها عن القدم إلى العدم ، ويتجلى بلطفه من أنوار لطفه إلى العدم ، فأظهر بنور لطفه التراب والماء وجعلها أصلا في مواليد الإنسان ، وتجلى بقهره للعدم ؛ فأوجد من تجليه النار ، وجعلها أصل مواليد الجن والجان ، فخلق من الماء والطين آدم عليه السلام وذريته وجميع معاشهم من الماء والطين اللذين أصلهما من تجلي نور لطفه ، وخلق الجن وإبليس من النار التي هي من تأثير قهره ؛ فوقع المخالفة بين الجان والإنسان ، كما وقعت المخالفة بين الماء والطين والنار ، فخلق الأول الماء والطين من لطفه ، ثم خلق النار من قهره ، فسبق الماء والطين على النار ؛ لأن الماء والطين سبب الرحمة على العباد ، والنار سبب عذاب العباد ، لذلك قال تعالى : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » .
فتبيّن فضل الماء والطين وتقدمهما على النار ، فإذا كان الماء والطين بهذه المثابة خلق سبحانه بلطفه آدم عليه السلام وذريته من الماء والطين ، وخلق إبليس وذريته من النار ، وإذا أراد سبحانه في الأول خلق الإنسان خلق ذريته بيضاء ؛ فتجلى لها جميع صفاته وذاته ، فذابت تلك الذرة من صولة تجلي ذاته وصفاته ، وسارت زلالا نورانيّا جلاليّا جماليّا ، فأثر فيها بركة تجلي ذاته وصفاته ، فتلاطم بعضه بعضا ، وألقى فوق الماء زبدة من نفسه فصارت تلك الزبدة طينا ، فخلق سبحانه من تلك الزبدة الأرض ، ودار ذلك الماء حول الأرض ودخل في بطنها ، ثم خلق منها آدم عليه السلام وكان ما خلق آدم عليه السلام منها طينا لزجا بما فيها من ذلك ، فيبس الماء في نفسه بتأثير شعاع تجلي العظمة ، فخلق آدم عليه السلام منه لذلك قال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
فإذا أراد خلق آدم عليه السلام سلط على ترابه ومائه سطوات تجلي قدمه وبقائه ؛ فخمرها بتجلي القدم والبقاء الذين كني عنهما باليدين بقوله :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
يد القدم ويد البقاء أربعين صباحا كل صبح منها أصبح كشف ألف صفة ؛ فخمرها أربعين صباحا
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .