الأنوار ،
[ تفسير الآية 20 ]
ثم وصف سبحانه معايش الجمهور مما ينبت أرض القلوب من زهر المعارف والكواشف بقوله :
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
معايش الصديقين في أرض أنوار الشهود ، ومعايش المحبين ظهور نور تجلي ، ومعايش العارفين كشوف التدلي ، ومعارف الموحدين استماع الخطاب بعد الكشف ، ومعايش سكان أرض القلب من العقل والفهم والنفس نور الإيمان والبرهان والإيقان وذلك قوله :
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ
هو بجوده سبحانه رازق الأرواح ورازق العقول والنفوس .
قال الأستاذ : سبب عيش كل أحد مختلف ، فعيش المريدين بيمن إقباله ، وعيش العارفين بلطف جماله ، وعيش الموحدين بكشف جلاله ، كل مربوط بحاله ، ولكل نصيب من أفضاله ، والحق منزّه عن التحمل بأفعاله ،
[ تفسير الآية 21 ]
ثم وصف سبحانه سعة قدرته وعلمه وملكه وملكوته وخزائن جوده بقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
أي : ما من شيء في قلوب العارفين من أنوار المكاشفة والمعرفة والتوحيد والإيمان واليقين والمقامات والحالات والإلهام والخطاب إلا عندنا خزائنه ، وخزائن هذه الحقائق ذاته القدمية وصفاته الأبدية ، فإن كل وجد وكشف وعلم وحال ومعرفة وتوحيد مقام ومقال يتعلق بكشف الذات والصفات وكشوف أنوارها تظهر بقدر قوة القلوب مقرونة بالإرادة الأزلية بقوله :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
وعلم الإشارة في الآية دعوة العباد إلى حقائق التوكل بوصف قطع الأسباب والأعراض عن الأغيار .
قيل : كان الجنيد إذا قرأ هذه الآية :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
قال : فأين تذهبون ؟
قال بعضهم : القلوب خزائن الحق عند الخلق أودع فيها أجل شيء وهو التوحيد وزينها بالمعرفة ونورها باليقين ومجدها بالتفاني في أوصافه .
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء » « 1 » .
وجعل آثار أنوار القلوب على الجوارح من التسارع إلى الطاعات ، والتثاقل عن المعاصي والمخالفات ، وهذا دليل لما قلت من الكرامات لذلك ، قال اللّه :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
.
وقال حمدون : قطع أطماع عبيده عن سواه بقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .