وقوله :
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
« 1 » وجعل بكرمه ورحمته منها شهور القربات ، وزيادة للمدانات ، ومناسكا للعبادات ، وشرّفها لكشف المشاهدات ، ومنعهم فيها عن التمتّع والتنعّم ، وأمرهم فيها بالتعطّف ، وأمهل فيها الخارجين من السنّة ؛ لتأهّبهم أهبّة الأولية والأبرار إلى جوار الرحمة ، وما سواهما من الأيّام والشهور ، رفاهية لأهل الأنس ، ومطايبة لأهل البسط ، وكذلك تلك الحرمات على أهل القربات ، وقال :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
إلى الطريق المستقيم إلى اللّه ، وشهادة وصال اللّه ، وكشف مشاهدة اللّه ، وحذّرهم فيها عن مخالفة اللّه ، بقوله :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
، بمنعها عن المجاهدات ، وطلب المشاهدات ، وإعطائكم حظها من الشهوات .
قال بعضهم : ظلم نفسه من أطلق عناقها في طرق الأماني من اتّباع الشهوات ، وارتكاب السيئات ، والتخطّي إلى المحارم .
[ تفسير الآية 37 ]
قوله تعالى :
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
ذمّ اللّه قوما عموا عن رؤية ما بدا لهم من نفوسهم من المخاييل الشيطانية التي هيجتهم إلى الاستبداد بآرائهم الفاسدة في استبداعهم طهي الباطل ، وهم رأوها من أنفسهم مستحسنة ، من قلة عرفانهم بطريق السنة الإلهية .
قال الواسطي : خيرهم على ما فيه هلاكهم ، ولم يعذبهم ، بقوله :
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
.
وسئل جعفر الصادق عن قوله :
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
.
[ تفسير الآية 38 ]
قال : هو الرياء ، ثم حث المؤمنين بترك الدنيا ولذّتها ؛ لأجل مشاهدته ، وحسن رضاه بقوله :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
أي : اخترتم موضع الكرامات ، وظهور الآيات عن كشف المشاهدات .
قال يحيى بن معاذ : الناس من مخافة النصيحة في الدنيا وقعوا في فضحية الآخرة .
قال اللّه :
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
، ثم وصف الدنيا بالقلة والدناءة ، ووصف الآخرة بالشرف والمنزلة ، بقوله :
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
أي : ما وجد العارف الصادق في الدنيا من القربة والمعرفة ، والوجه والحالة والفضل والكرامة في جنب ما تجده من الحضرة بعد
هامش
( 1 ) لمّا علم أنهم لا يداومون على ملازمة القرب أفرد بعض الشهور بالتفضيل ، ليخصّوها باستكثار الطاعة فيها . فأمّا الخواص من عباده فجميع الشهور لهم شعبان ورمضان ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة ، وجميع البقاع لهم مسجد ، تفسير القشيري ( 3 / 95 ) .