تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
أي : إني أجيب دعوة المخلصين إذا دعوني من قعر قلوبهم بلسان أسرارهم ، وإن لم يعلموا إجابتي لهم .
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
إذا أدعوهم بأصوات الوصلة عند خطرات كلماتي في قلوبهم إلى مائدة مشاهدتي في زوايا صدورهم بنعت إعراضهم عن غيري .
وَلْيُؤْمِنُوا بِي
أي : ليوقنوا فيما كشف لهم من أسرار ملكوتي ، وأنوار جبروتي ، ولا يسمعوا حديث العدد .
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
إلى مقام طمأنينة وحقائق التمكين بشرط المعرفة . قال الشبلي : إذا وجد الحق للعبد لذاذة قربه ارتضاه لنفسه ، وتولى سياسة لنفسه ، وأدّبه بأخلاقه ، وأعطاه ثلاثة من أوصاف ذاته : حياة لا موت فيها ، وقدرة لا يزول بعجز ، وملكا في جوار الملك ، فذلك قوله :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
. وقال ابن عطاء في هذه الآية :
فَإِنِّي قَرِيبٌ
قال : أضاف عباده إليه إضافة خصوصية لا إضافة ملك ، كأنه يريد إذا سألك الخواص من عبادي عني فأخبرهم بأني قريب . وقال بعضهم : إذا سألك المشتاقون من عبادي عني ، فأخبرهم إني أقرب إليهم من كل قريب ، وأنا عند ظنونهم بي . وقال رويم : القرب إزالة كل معترض . وقال الجنيد ، وسئل عن قرب اللّه من العبد ؛ فقال : هو قريب لا بالاجتماع ، بعيد لا بالافتراق ، وقال : القرب يورث الحياء .
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
بترك مجاهدتها ، وتعليمها أسرار الأدب ، والوقوف على مرادها ، واستماع كلامها على شرط التقبل منها ، والصبر على انطلاقها عن رق العبودية ، واقتحامها في نيران الشهوة . وقال ابن عطاء : خيانة النفس الوقوف معها حيث ما وقعت .
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
أي : إذا عكفتم في مساجد القربة لطلب المشاهدة ، فلا تميلوا إلى حظوظ البشرية ، وهذا من أحسن الأدب ، ورد من اللّه تعالى أدب به أولياءه في مجالستهم حضرته ، وأيضا الاعتكاف وقوف الأرواح على بساط الفردانية لاشتغالها عن الحدوثية بنعت فنائها في أنوار الأزلية . وقال الواسطي : الاعتكاف حبس النفس ، وذم الجوارح ، ومراعاة الوقت ، ثم أينما كنت ، وأنت معتكف .