تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
تلطف في السؤال فقال :
أَرِنِي
فأري في الغير وتعجب عزير عليه السلام في القدرة ؛ ألا ترى أنه ختم قصته بالإيمان
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
، وختم قصة الخليل عليه السلام بالعزة والحكمة فقال :
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
؛ لأن الخليل عليه السلام سأل إظهار الحكمة ومشاهدة العزة ، وعزير عليه السلام تعجب من القدرة ، فأجيب كل من حيث سأل . وقوله تعالى :
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
يجوز أن اللّه تعالى امتحن الخليل عليه السلام بأنواع البلايا في ظاهره وباطنه ، أما ما في ظاهره ؛ فهو الذي أخبر اللّه تعالى في كتابه أنه ألقى في النار وعذبه بأيدي الكفار ، وأيضا ابتلاه بذبح الولد وما أشبهه . وأما الذي في باطنه فهو ما أخبر اللّه من اضطراب قلبه في تحصيل إدراك محض الربوبية ، وكان يقول : هذا ربى مرة ، ويقول :
أَرِنِي
مرة ؛ لأنه كان يطلب من خاطره إثبات محض اليقين ، فأخبر اللّه تعالى عن جميع امتحانه مع خليله عليه السلام في آية من كتابه قال :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
، ومقصود الحق سبحانه وتعالى في ذلك أن بديع بواطن أنبيائه وأوليائه بخطرات نفوسهم حتى يحترقوا بفقدان الحبيب وتتقدس عن شوائب البشرية وإلقاء الشيطانية ، وأكثر ابتلاء الخواص هكذا كإبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام وعزير عليه السلام ، محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وذكر اللّه تعالى أحوالهم جميعا في كتابه ، أما لموسى عليه السلام ما روي عنه أنه كان يقول في مناجاته : « أي ربّ ، من متى أنت ! » . وقال تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
، وقال عليه السلام : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه في كلّ يوم سبعين مرة » « 1 » . هكذا ابتلاء خواص الأنبياء والأولياء لا بأس ؛ لأن الرب رب والعبد عبد ، وأيضا اسأل الخليل عليه السلام مشاهدة الحق في لباس الخلق ، وأيضا أراد في سؤاله زيادة المعرفة في وسائط الآية لا من الاضطراب في الشك والتهمة . وأيضا قال :
أَرِنِي
حقيقة بطنان الألوهية والربوبية ، وهذا من الخليل عليه السلام غاية استغراقه في الاشتياق وغوصه في سر حبيبه وأوصاف قدرته ؛ لأن المحب أراد أن يحيط بحقيقة ذات المحبوب من جميع الوجوه وذلك من شرط الاتحاد .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 2702 ) ، وأحمد في مسنده ( 4 / 260 ) ، وأبو داود ( 2 / 84 ) .