« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ »
أي ما يحصيهم عددا إلا هو ، فإذا كانت الجنود لا يعلمها إلا هو ، وليس للحق منازع يحتاج هؤلاء الجنود إلى مقابلته فاعجب ! ، لذلك قال
« وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ »
فإن عالم الإنسان لما كان ملكا للّه تعالى ، كان الحق تعالى ملكا لهذا الملك بالتدبير فيه وبالتفصيل ، ولهذا وصف تعالى بأن
لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وقال
« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ »
فهو تعالى حافظ هذه المدينة الإنسانية لكونها حضرته التي وسعته ، وهي عين مملكته ، وما وصف نفسه بالجنود والقوة إلا وقد علم أنه تعالى قد سبقت مشيئته في خلقه أن يخلق له منازعا ينازعه في حضرته ، ويثور عليه في ملكه بنفوذ مشيئته فيه وسابق علمه وكلمته التي لا تتبدل ، سماه الحارث ، وجعل له خيلا ورجلا ، وسلطه على هذا الإنسان ، فأجلب هذا العدو على هذا الملك الإنساني بخيله ورجله ، ووعده بالغرور بسفراء خواطره التي تمشي بينه وبين الإنسان ، فجعل اللّه في مقابلة أجناده أجناد ملائكته ، فلما تراءى الجمعان ، وهو في قلب جيشه ، جعل له ميمنة وميسرة وتقدمة وساقة ، وعرفنا بذلك لنأخذ حذرنا منه من هذه الجهات ، فقال اللّه تعالى لنا إنه قال هذا العدو
( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ )
وهو في قلب جيشه في باطن الإنسان ، فحفظ اللّه هذا الملك الإنساني بأن كان اللّه في قلب هذا الجيش ، وهذا العسكر الإنساني في مقابلة جيش الشيطان ، ولا يزال القتال يعمل على هذا الإنسان المؤمن خاصة ، فيقاتل اللّه عنه ليحفظ عليه إيمانه ، ويقاتل عليه إبليس ليرده إليه ويسلب عنه الإيمان ويخرجه عن طريق سعادته ، حسدا منه ، فإنه إذا أخرجه تبرأ منه وجثا بين يدي ربه ، وعرفنا اللّه بذلك كلّه لنعرف مكايده ، فهو يقول للإنسان بما يزين له :
اكفر ، فإذا كفر يقول
( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها )
.
[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 32 إلى 34 ]
كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 )
معناه أظهر إلى الأبصار المبصرات ، يقال : سفرت المرأة عن وجهها ، إذا أزالت برقعها