وذلك لغلبة الغيرة على نوح عليه السلام ، واستعجاله ، لكون الإنسان خلق عجولا .
[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 27 إلى 28 ]
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 )
[ لِمَ يقدم العبد نفسه في الدعاء على والديه ؟ ]
لا أحد أعظم من الوالدين وأكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن ، ومع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه ، وذلك أولا مراعاة لحقها ، فهي أقرب جار إليه ، والسر الآخر أنّ الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه ، ويذهل عن افتقاره ، فربما يدخله زهو وعجب بنفسه لذاك ، وهو داء عظيم ، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبدأ لنفسه بالدعاء ، فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه ، فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب والمنة على الغير ، وفي إثر ذلك يدعو للغير على افتقار وطهارة ، فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ، ثم يدعو لغيره ، فإنه أقرب إلى الإجابة ، لأنه أخلص في الاضطرار والعبودية ، قال الخليل عليه السلام في دعائه
( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ )
فقدم نفسه
( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي )
وقال نوح عليه السلام
« رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ »
فبدأ بنفسه
« وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ »
وهو عليه السلام من الكمل ، ولم يقل كما قالت الملائكة
« وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ »
فكأنه أبقى شيئا ، فإنه ما طلب المغفرة إلا للمؤمن ، ولم يذكر اتباع سبيل اللّه ، لأن المؤمن قد يكون مخالفا أمر اللّه ونهيه ، واللّه يقول للمسرفين على أنفسهم
( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً )
« وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً »
:
دعا قومه نوح ليغفر ربهم * لهم فأجابوه لما كان قد دعا
أجابوا بأحوال فغطوا ثيابهم * لسر بستر والسميع الذي وعى
ولو أنهم نادوا ليكشف عنهمو * غطاء العمى ما ارتد شخص ولا سعى