[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 15 ]
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 )
أعظم البلايا والمحن وقوع الفتن ، وأي فتنة أعظم عند الرجال من فتنة الولد والمال ، الولد مجهلة مجبنة مبخلة ؛ والمال مالك ، وصاحبه بكل وجه وإن فاز هالك ، إن أمسكه أهلكه ، وإن جاد به تركه - راجع سورة الأنفال آية 28 - .
[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 16 ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 )
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »
[ « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . . . »
الآية : ]
وإن كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فأعاد الضمير عليهم ، ولكن مثل هذا لا يسمى تصريحا ولا تعيينا ، فينزل عن درجة التعيين ، مثل قوله
( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ )
من كوننا مؤمنين ، فيحدث لذلك حكم آخر ، فقال
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »
ابتداء آية بفاء عطف وضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد ، والمضمر صالح لكل معين ، لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق ، والمعين مقيد ، فالضمير الخطابي يعم كل مخاطب كائنا من كان ، من مؤمن وغير مؤمن وإنسان وغير إنسان ؛ واعلم أن الاستطاعة لو بذلها الإنسان وقع في الحرج ، لأنه يكون قد بذلها عن جهد ومشقة ، وقد رفع اللّه الحرج عن عباده في دينه ، فعلمنا أن المراد بالاستطاعة في مثل قوله تعالى
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »
و
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )
و
( ما آتاها )
أن حدها أول درجات الحرج ، فإذا أحس به أو استشرف عليه قبل الإحساس به فذلك حد الاستطاعة المأمور بها شرعا ، ليجمع بين قوله تعالى
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »
وبين قوله
( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )
( ودين اللّه يسر ) و
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ )
في قوله
« مَا اسْتَطَعْتُمْ »
ولما فهمت الصحابة من الاستطاعة ما ذكرناه لذلك كانت رخصة لعزمة قوله تعالى :
( حَقَّ تُقاتِهِ )
وتخيل الصحابة أن اللّه خفف عن عباده في قوله
( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ )
بقوله
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »
وما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد ، فإن تقوى اللّه بالاستطاعة أعظم في التكليف ، فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته ، لا بد من فضلة يبقيها ، وعلمنا أن اللّه أثبت العبد