تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
قال تعالى يخاطب المؤمنين
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي »

[ السعيد من لم يتخذ عدوا للّه محبوبا ولا محبا : ]

فجعلهم أعداء له كما قال في جزائه إياهم
( ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ )
فإن كان للّه أعداء ، فكيف بأجناس العالم ؟ فهم عبيده أعداؤه ؛ فكيف حال عبيده بعضهم مع بعض بما فيهم من التنافس والتحاسد ؟
« وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ »
لكونهم أمثالا لكم ؟ ولما بين المثلين من الضدية قال للمؤمن : عامل العدو بضدية المثل لا بمودة المثل ، فإن العدو يريد إخراجك من الوجود ، فقال تعالى
« وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ »
فما عاملكم العدو وإن كان مثلكم إلا بضدية المثل لا بمودته ، فأمرنا الحق إذا أرادوا ذلك بنا أن نقاتلهم ، فنذهب أعيانهم من الموضع الذي يكونون فيه ، وإن لم تسر هذه الضدية في ذات المثل فليس بمؤمن ، ولا هو عند اللّه بمكان ، فإن اللّه لما علم ما هو عليه الإنسان في جبلته من حبه المحسن لإحسانه ، ومن استجلابه الود من أشكاله بالتودد إليهم ، علم أنه تعالى إذا قال لهم
« لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي »
أنهم لما ذكرناه لا يقومون في هذا النهي في جانب الحق مقام ما يستحقه الحق ، فزاد في الخطاب فقال
« وَعَدُوَّكُمْ »
وذلك ليبغضهم إلينا ، لعلمه بأنا نحب أنفسنا ونؤثر هوانا عليه تعالى ، فليس في القرآن ذم في حقنا من اللّه أعظم من هذا ، فإنه لو علم منا إيثاره على أهوائنا لاكتفى بقوله
« عَدُوِّي »
ثم تمم على نسق واحد فقال
« يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ »
يعني من موطنه ، فإن مفارقة الأوطان من أشق ما يجري على الإنسان ، فلما علم اللّه أنكم لا يقوم عندكم إخراج الرسول - مع بقائكم في أوطانكم ذلك المقام - ما يستحقه الرسول منكم قال
( وَإِيَّاكُمْ )
فشرككم في الإخراج مع الرسول ، كما شرككم في العداوة مع اللّه ، لتكونوا أحرص على أن لا تلقوا إليهم بالمودة ، وأن نتخذهم أعداء ، والمؤمنون هنا كل ما سوى الرسول ، فإن الرسول إذا تبين له أن شخصا ما عدو للّه تبرأ منه ، كما تبرأ إبراهيم عليه السلام من أبيه ، ومن لم يطلعك اللّه على عداوته فلا تتخذه عدوا ، وأقل أحوالك إذا جهلته أن تهمل أمره ، فلا تعاد عباد اللّه بالإمكان ، والذي ينبغي لك أن تكره فعله