الشرع ، وكيف أقام صور الأعمال على أكمل غاياتها ، قلبيا كان ذلك العمل أو حسيا ، أو مركبا من حس وقلب ، كالنية والصلاة من الحركات الحسية ، فقد أقام الشرع لها صورة روحانية يمسكها عقلك ، فإذا شرعت في العمل فلتكن عينك في ذلك المثال الذي أخذته من الشارع ، واعمل ما أمرت بعمله في إقامة تلك الصورة ، فإذا فرغت منها قابلها بتلك الصورة الروحانية ، المعبر عنها بالمثال الذي حصلته من الشارع ، عضوا عضوا ومفصلا مفصلا ظاهرا وباطنا ، فإن جاءت الصورة فيها بحكم المطابقة من غير نقصان ولا زيادة ، فقد أقمت الوزن بالقسط ولم تطغ فيه ولم تخسره ، فإن الزيادة في الحد عين النقص في المحدود ، وقد قال تعالى :
( لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )
وهو معنى
( أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ )
( وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ )
وهو قوله :
« وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ »
فطلب العدل من عباده في معاملتهم مع اللّه ، ومع كل ما سوى اللّه من أنفسهم وغيرهم ، فإذا وفق اللّه العبد لإقامة الوزن ، فما أبقى له خيرا إلا أعطاه إياه ، وترجيح الميزان في موطنه هو إقامته ، وخفة الميزان في موطنه إقامته ، فهو بحسب المقامات ، فالمحقق هو الذي يقيم الميزان في العلم والعمل ، على حسب ما يقتضيه الموطن ، من الرجحان والخفة في الموزون ، بالفضل في موضعه والاستحقاق ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ندب في قضاء الدين وقبض الثمن إلى الترجيح ، فقال : [ أرجح له ] حين وزن له ، فما أعطاه خارجا عن استحقاقه بعين الميزان ، فهو فضل لا يدخل الميزان ، إذ الوزن في أصل وضعه إنما وضع للعدل لا للترجيح ، وكل رجحان يدخله فإنما هو من باب الفضل ، وإن اللّه لم يشرع قط الترجيح في الشر جملة واحدة ، وإنما قال :
( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ )
وقال :
( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها )
ولم يقل : أرجح منها ، وقال :
( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ )
ولم يقل : بأرجح
( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )
فرجح في الإنعام
[ تنبيه وإشارة : خلق اللّه آدم على صورته : ]
- تنبيه وإشارة - جمع اللّه تعالى في هذه السورة قوله تعالى :
( خَلَقَ الْإِنْسانَ )
وقوله تعالى :
( وَوَضَعَ الْمِيزانَ )
فقد خلق الإنسان على صورة الميزان ، وجعل كفتيه يمينه وشماله ، وجعل لسانه قائمة ذاته ، فهو لأي جانب مال ، وقرن اللّه السعادة باليمين وقرن الشقاء بالشّمال ، وأمرنا تعالى في قوله :
( وَوَضَعَ الْمِيزانَ )
أن نقيمه من غير طغيان ولا خسران ، ومن إقامته أن تعلم أن قول اللّه تعالى : [ خلق اللّه آدم على صورته ] فوازن بصورته حضرة موجده ذاتا وصفة وفعلا ، ولا يلزم من الوزن