تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الوفاء من الحق وفاء وجوب واستحقاق ، وزيادة لزيادة ، وزيادة لا لزيادة ، وهي الزيادة المذكورة في القرآن .

[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 )
« إِنَّ فِي ذلِكَ »

[ « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ . . . »

الآية : ] يشير إلى العلم باللّه من حيث المشاهدة
« لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »
يتقلب فيفهم قول اللّه ، ويعقل به عن اللّه ، ولم يقل تعالى غير ذلك ، فإن القلب معلوم بالتقليب في الأحوال دائما ، فهو لا يبقى على حالة واحدة ، وكذلك التجليات الإلهية ، فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها ، فإن العقل يقيده ، وغيره من القوى ، إلا القلب فإنه لا يتقيد ، وهو سريع التقلب في كل حال ، ولذا قال الشارع : [ إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ] فهو يتقلب بتقلب التجليات ، والعقل ليس كذلك ، فإن العقل تقييد من العقال ، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل ، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال لمن كان له قلب ، فإن كل إنسان له عقل ، وما كل إنسان يعطى هذه القوة التي وراء طور العقل ، المسماة قلبا في هذه الآية ، فلا معنى للحس هاهنا ، فإن استفاضة النور من عين البصيرة على ساحة القلب كانعكاس الشعاع من العين على المبصرات ، فينظر إلى عجائب الملكوت ، وتتصل الأنوار وتنفتح عند ذلك العين الثانية في القلب ، وهو عين اليقين ، فإن للّه في القلب عينين ، عين بصيرة وهو علم اليقين ، والعين الأخرى عين اليقين ، فعين البصيرة تنظر بالنور الذي يهدي به ، وعين اليقين تنظر بالنور الذي يهدي إليه ، قال تعالى :
( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ )
وهو نور اليقين ، وقال في النور الآخر :
( وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ )
فإذا اتصل النور الذي يهدي به بالنور الذي يهدي إليه عاين الإنسان ملكوت السماوات والأرض ، فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل ، ثم يقبلها العقل من القلب ، فإن القلب له التقليب من حال إلى حال ، وبه سمي قلبا ، فمن فسر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق ، فالحق تعالى هو المقيد بما قيد به نفسه من صفات الجلال ، وهو المطلق بما سمى به نفسه من أسماء الكمال ، وهو الواحد الحق ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 180 | ابن عربي / محمود محمود الغراب