تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وحقيقته المطلقة معرفة الشيء على ما هو عليه ، والمفيدة العمل به ، وهو الذي يعطيك السعادة الأبدية ، ولا تخالف فيه ، فهو نور من أنوار اللّه تعالى يقذفه في قلب من أراد من عباده ، وهو معنى قائم بنفس العبد يطلعه على حقائق الأشياء ، وهو للبصيرة كنور الشمس للبصر ، بل أتم وأشرف ، وكل من ادعى علما من غير عمل فدعواه كاذبة إن تعلق به خطاب عمل ، ولهذا لم يأمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يطلب من اللّه تعالى الزيادة من شيء إلا من العلم ، فإنه أشرف الصفات وأنزه السمات ، فالعلم سبب النجاة وإن شقي في الطريق ، فالمآل إلى النجاة ، فلو علم المشرك ما يستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا يستحق أن يشرك به ، ولو علم المشرك أن الذي جعله شريكا لا يستحق أن يوصف بالشركة للّه في ألوهته لما أشرك ، فما أخذ إلا بالجهل من الطرفين . ولما كانت العلوم الشريفة العالية التي إذا اتصف بها الإنسان زكت نفسه وعظمت مرتبته أعلاها العلم باللّه ، لهذا أمر الحق تعالى نبيه أن يقول
« رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
فهذا العلم الذي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بطلب المزيد منه ، هو العلم باللّه عن طريق التجلي والذوق ، فإنه أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم ، لا علم التكليف ، فإن النقص منه هو مطلوب الأنبياء عليهم السلام ، فقوله تعالى
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
يريد من العلم به ، من حيث ما له تعالى من الوجوه في كل مخلوق ومبدع ، وهو علم الحقيقة ، فإنه لما كان الخلق على الدوام دنيا وآخرة فالمعرفة تحدث على الدوام دنيا وآخرة ، ولذا أمر بطلب الزيادة من العلم ، أتراه أمره صلّى اللّه عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم بالأكوان ؟ لا واللّه ، ما أمر إلا بالزيادة من العلم باللّه ، بالنظر فيما يحدثه من الكون ، فيعطيه ذلك الكون عن أيّة نسبة إلهية ظهر ، ولهذا نبّه صلّى اللّه عليه وسلم القلوب في دعائه [ اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم غيبك ] والأسماء نسب إلهية والغيب لا نهاية له ، فلا بد من الخلق على الدوام ، فكأنما يقول صلّى اللّه عليه وسلم : ارفع عني اللّبس الذي يحول بيني وبين العلم بالخلق الجديد ، فيفوتني خير كثير حصل في الوجود لا أعلمه ، لذا أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يدعوه بأن يزيده بطلبه علما به في كل ما يعطيه ، وهو وجه الحق في كل شيء ، فما طلب الزيادة من علم الشريعة ، بل كان يقول [ اتركوني ما تركتكم ] فالشرف كله إنما هو في العلم ، والعالم به بحسب ذلك العلم ، فإن أعطى عملا في جانب الحق عمل به ، وإن أعطاه عملا في جانب الخلق عمل به ، فهو يمشي في بيضاء نقية سمحاء ،