تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 37 إلى 38 ]

وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ »
في كل شيء ، أي كما انطلق عليكم اسم الأمة ، كذلك ينطلق اسم الأمة على كل دابة وطائر يطير بجناحيه ، فما من شيء في الوجود إلا وهو أمة من الأمم ، والأمثال هم الذين يشتركون في صفات النفس ، فكلهم حيوان ناطق . واعلم أن الأمثال معقولة لا موجودة ، فتطلق المثلية من حيث الحقيقة الجامعة المعقولة ، لا الموجودة ، فإن التوسع الإلهي يقتضي أن لا مثل في الأعيان الموجودة ، وأن المثلية أمر معقول متوهم ، فإنه لو كانت المثلية صحيحة ما امتاز شيء عن شيء مما يقال هو مثله ، فإن الأصل الذي نرجع إليه في وجودنا وهو اللّه تعالى ، ليس كمثله شيء ، فلا يكون ما يوجد عنه إلا على حقيقة أنه لا مثل له ، فكل جوهر فرد في العالم لا يقبل المثل ، فما في الوجود شيء له مثل ، بل كل موجود متميز عن غيره بحقيقة هو عليها في ذاته ، فإن أطلقت المثلية على الأشياء أطلقت عرفا ، ولم تبق المثلية الواردة في القرآن وغيره إلا في الافتقار إلى اللّه موجد أعيان الأشياء ، ثم قال تعالى في هذه الأمم :
« ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ »
يعني كما تحشرون أنتم ، قال تعالى :
« وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ »
فإنها أمم أمثالنا ، وقال تعالى :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
فهو الجامع لكل شيء ، وهو القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فبالقرآن يكشف جميع ما في الكتب المنزلة من العلوم ، وفيه ما ليس فيها ، فمن أوتي القرآن فقد أوتي الضياء الكامل الذي يتضمن كل علم ، وبه صحّ لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم جوامع الكلم ، فعلوم الأنبياء والملائكة وكل لسان علم ، فإن القرآن يتضمنه ويوضحه لأهل القرآن ، فمن أعطي القرآن فقد أعطي العلم الكامل وهذا يعني أنه قد حوى جميع المعارف وأحاط بما في العلم الإلهي من المواقف وإن لم تتناه ، فقد أحاط علما بها ، وأنها لا تتناهى ، فالمريد من يجد في القرآن كل ما يريد ، وهذا لا يكون إلا إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند تلاوته ، فإن القرآن هو الجامع . واعلم أن الولي