يزيد العالم الشقي من أهل الدنيا حسرة إلى حسرته يوم القيامة ، عندما يرى خلعة علمه على المؤمن المقلد ، وأنه قد أعطي جهله فيقول :
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
لعلمهم إذا كانوا مؤمنين - وإن كانوا جاهلين - أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة ، خلعت عنهم ثياب الجهل ، وخلع عليهم خلع العلم ، فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في الدنيا لحسن العاقبة . وما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى حكمها ، فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل ، فما تكلموا بما تكلموا به من هذا التمني إلا بلسان النشأة التي هم فيها ، وتخيلوا أن ذلك العلم يبقى عليهم ، وما جعل اللّه في هذه النشأة الدنيا النسيان للعلماء بالشيء فيما قد علموه ، ويعلمون أنهم قد كانوا علموا أمرا ، فيطلبون استحضاره ، فلا يجدونه بعد ما كانوا عالمين به ، إلا إعلاما وتنبيها على أنه على كل شيء قدير ، بأن يسلب عنهم العلم بما كانوا به عالمين إذا دخلوا النار .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 28 ]
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 )
« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ »
البدا هو أن يظهر لهم ما لم يكن ظهر ، ولما قدر اللّه أن يكونوا أهلا للنار ، وأنه ليس لهم في علم اللّه دار يعمرونها سوى النار ، قال تعالى :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة ، إلى أن يظهر سبق الرحمة الغضب ، فيمكثون في النار مخلدين لا يخرجون منها أبدا على الحالة التي قد شاءها اللّه أن يقيمهم عليها ، ومع هذا العلم الذوقي الذي حصل لهم قيل فيهم :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
لأن اللّه يعلم أن هذه الدار الدنيا جعلها على طبيعة مخصوصة ، وجعل نشأة الإنسان على مزاج يقبل النسيان والغفلة وحب العاجلة ، ويقبل ضد هذا على حسب ما يقام فيه ، فعلم سبحانه أن نشأة هؤلاء الذين عينهم أنهم لو ردوا إلى الدنيا في نشأتهم التي كانوا عليها في الدنيا ، لعادوا إلى نسيان ما كانوا قد علموا ، وجعل على أعينهم غطاء على ما لو شهدوه ، لعلموا الأمر فعملوا له ، فهذا معنى
« لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
لأن النشأة ليست إلا تلك فلو بقي لهم هذا العلم لما عادوا ، ألا ترى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول في الصحيح أنه يؤتى