تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
لتجليه تعالى في الصور المختلفة ، وتحوله فيها لاختلاف المعتقدات في العالم إلى هذه الكثرة ، فكان الحق سبحانه أول مسئلة خلاف ظهر في العالم ، لأن كل موجود في العالم أول ما ينظر في سبب وجوده ، لأنه يعلم في نفسه أنه لم يكن ثم كان بحدوثه لنفسه ، واختلفت فطرهم في ذلك ، فاختلفوا في السبب الموجب لظهورهم ما هو ؟ فلذلك كان الحق أول مسئلة خلاف في العالم ، ولما كان أصل الخلاف في العالم في المعتقدات ، وكان السبب أيضا وجود كل شيء من العالم على مزاج لا يكون للشيء الآخر ، لهذا كان مآل الجميع إلى الرحمة لأنه خلقهم وأظهرهم في العماء وهو نفس الرحمن .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 120 ]

وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 )

[ خصّ صلّى اللّه عليه وسلم بعلم إحياء الأموات معنى وحسا ]

خصّ صلّى اللّه عليه وسلم بعلم إحياء الأموات معنى وحسا ، فحصل العلم بالحياة المعنوية وهي حياة العلوم والحياة الحسية ، وهو ما أتى في قصة إبراهيم عليه السلام تعليما وإعلاما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو قوله تعالى :
« وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ »
وذلك تسكين ورفق من اللّه لما يجده رسوله صلّى اللّه عليه وسلم من ردّ أمره ، فيجد لذلك عزاء في نفسه ، لما يرى من منازعة أمته إياه فيما جاء به عن اللّه ، وليري نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ما قاست الأنبياء من أممهم فيعزي نفسه بذلك وتثبيتا لفؤاده صلّى اللّه عليه وسلم ، إن وقع منا في أمر اللّه ما وقع من هؤلاء
« وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ » « وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى »
لنا نحن
« لِلْمُؤْمِنِينَ »
لنشكر اللّه على ما أولانا من نعمه ، حيث آمنا واستسلمنا ولم نكلف نبينا أن يسأل ربه شيئا مثل ما كلّفت الأمم رسلها ، فنشكره سبحانه على هذه النعمة إذ لو شاء لألقى في قلوبنا ، ما ألقاه في قلوب الأمم قبلنا . واعلم أن جميع هذا القصص ، إنما هو قناطر وجسور موضوعة نعبر عليها إلى ذواتنا وأحوالنا المختصة بنا ، فإن فيها منفعتنا ، إذ كان اللّه نصبها معبرا ، فما أبلغ قوله تعالى
« وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى »
لما فيك وما عندك بما نسيته ، فيكون هذا الذي قصصته عليك يذكرك بما فيك وما نبهتك عليه .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 367 | ابن عربي / محمود محمود الغراب