هذا هو الميثاق الثاني بعد وجود آدم ، قبض الحق على ظهره واستخرج منه بنيه ، وأشهدهم على أنفسهم ، وهو العهد الخالص ، أي الدين الخالص ، والميثاق الأول كان قبل وجود جسد آدم ، وهو ميثاق النبيين ، وكما ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
( وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها )
وأن لهذه النشأة الإنسانية صورا مبثوثة في العناصر والأفلاك والسماوات والكرسي والعرش واللوح والقلم ، حتى في العدم ، كذلك لولا ما كان لنا وجود في صورة آدم العنصرية ، معينين مرئيين متميزين عند اللّه في علمه ورؤيته وعندنا ما قلنا « بلى » أنت ربنا ، فإن آدم عليه السلام لما أوجده اللّه وسواه كما سوى الأفلاك جعل لنا في صورته صورا ، مثل ما فعل فيما تقدم من المخلوقات ، ثم قبض على تلك الصور المعينة في ظهر آدم ، وآدم لا يعرف ما يحوي عليه ، كما أنّ كل صورة لنا في كل فلك ومقام لا يعرف بها ذلك الفلك ولا ذلك المقام ، وأنه للحق في كل صورة لنا وجه خاص إليه ، من ذلك الوجه يخاطبنا ، ومن ذلك الوجه نرد عليه ، ومن ذلك الوجه نقر بربوبيته ، فلو أخذنا من بين يدي آدم لعلمنا ، فكان الأخذ من ظهره غيبا له ، وأخذه أيضا معنا في هذا الميثاق من ظهره ، فإن له معنا صورة في صورته ، فشهد كما شهدنا ، ولا يعلم أنه أخذ منه ، أو ربما علم ، فإنه ما نحن على يقين من أنه لم يعلم بأنه أخذ منه ولا بأنا أخذنا منه ، فقد ورد في الخبر المشهور الحسن الغريب [ أن اللّه تجلى لآدم عليه السلام ويداه مقبوضتان فقال له : يا آدم اختر أيتهما شئت ، فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، قال : فبسطها ، فإذا آدم