تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
السلام إلا من كونها واجبة وجوبا عقليا ، والمعلوم إذا شوهد تعطي مشاهدته أمرا لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة ، كما قيل .
ولكن للعيان لطيف معنى * لذا سأل المعاينة الكليم
فإنه ليس حكم من شاهد الأمور حكم من لم يشاهدها إلا بالإعلام ، فللعيان حال لا يمكن أن يعرفه إلا صاحب العيان ، كما أن للعلم حالا لا يعرفه إلا أولو العلم ، ليس لغيرهم فيه ذوق ، وما أسمع الرحمن كلامه بارتفاع الوسائط إلا ليتمكن الاشتياق في السامع إلى رؤية المتكلم ، لما سمعه من حسن الكلام ، فتكون رؤية المتكلم أشد ، ولا سيما ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : إن اللّه جميل يحب الجمال ، والجمال محبوب لذاته ، وقد وصف الحق نفسه به ، فشوق النفوس إلى رؤيته ، وما شوق اللّه عباده إلى رؤيته بكلامه سدى ، ولولا أن موسى عليه السلام فهم من الأمر إذ كلمه اللّه بارتفاع الوسائط ما جرأه على طلب الرؤية ما فعل ، فإن سماع كلام اللّه تعالى بارتفاع الوسائط عين الفهم عنه ، فلا يفتقر إلى تأويل وفكر في ذلك ، وإنما يفتقر من كلمة اللّه بالوسائط من رسول أو كتاب ، فلما كان عين السمع في هذا المقام عين الفهم ، سأل الرؤية ، ليعلم التابع ومن ليست له هذه المنزلة عند اللّه ، أن رؤية اللّه ليست بمحال ، وقد شهد اللّه لموسى أنه اصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه ، فهل رآه في وقت سؤاله بالشرط الذي أقامه له كما ورد في نص القرآن
( انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي )
أو لم يره ؟ والآية محتملة المأخذ ، فإنه ما نفى زمان الحال عن تعلق الرؤية ، وإنما نفى الاستقبال بأداة سوف ، ولا شك أن اللّه تجلى للجبل وهو محدث ، وتدكدك الجبل لتجليه ، فحصل لنا من هذا رؤية الجبل ربه التي أوجبت له التدكدك ، فقد رآه محدث ، فما المانع أن رآه موسى عليه السلام في حال التدكدك ووقع النفي على الاستقبال ؟ ما لذلك مانع لمن عقل ، ولا سيما وقد قام الصعق لموسى عليه السلام مقام التدكدك للجبل ، قال تعالى :
« وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ »
لما كلم موسى عليه السلام ربه أدركه الطمع فقال :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
فسأله ما يجوز له السؤال فيه ، إذ كانت الرسل أعلم الناس باللّه ، وأنه ذو إدراك يدركه به ، وأنه المدرك بالإدراك لا الإدراك ، فإنه عالم بأن الأبصار لا تدركه ، وإنما هي آلة يدرك بها ، فقال :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
بعيني ، فإن الرؤية بأداة إلى رؤية العين ، فقال له الحق :
« لَنْ تَرانِي »
بعينك ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 166 | ابن عربي / محمود محمود الغراب