تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
القيامة قد سجد فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عندما طلب من ربه فتح باب الشفاعة تعظيما للّه وهيبة وإجلالا ، فعلموا أنه موطن سجود ، فلما دعوا إلى السجود هناك وهو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف سجد أصحاب الأعراف امتثالا لأمر اللّه ، فرجحت كفة حسناتهم بهذه السجدة وثقلت ، فسعدوا ، لأنها سجدة تكليف مشروعة في ذلك الموطن عن أمر اللّه ، فيدخلون الجنة ، وكانوا ينظرون إلى النار بما لهم من السيئات وينظرون إلى الجنة بما لهم من الحسنات ، ولذلك أشار الحق تعالى بأن ختم سورة الأعراف بسجدة للتالي عند ذكر سجود الملأ الأعلى ، وهي سجدة اقتداء بهدي الملائكة
« يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ »
فذكر الحق عن أصحاب الأعراف أن لهم المعرفة بمقام الخلق ، فقال :
« يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ »
أي بما جعلنا فيهم من العلامة ، فإن الآخرة دار تمييز ، فأهل الجنة مميزون وأهل النار مميزون ، فبالسمات يفرق بين الأشخاص يوم التنادي ، ولات حين مناص
« وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ »
فإنهم في مقام الكشف للأشياء ، فلو دخلوا الجنة استتر عنهم بدخولهم فيها وسترتهم ، لأنها جنّة ، عن كشف ما هم له كاشفون
« أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ »
تحية إقبال عليهم لمعرفتهم بهم ، وتحية لانصرافهم عنهم إلى جناتهم
« لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ »
فإنهم يرون رحمة اللّه ، فيطمعون ، وسبب طمعهم أيضا أنهم من أهل لا إله إلا اللّه ، ولا يرونها في ميزانهم ، ويعلمون أن اللّه لا يظلم مثقال ذرة ، ولو جاءت ذرة لإحدى الكفتين لرجحت بها ، لأنهما في غاية الاعتدال ، فيطعمون في كرم اللّه وعدله ، وأنه لا بد أن يكون لكلمة لا إله إلا اللّه عناية بصاحبها ، يظهر لها أثر عليهم كما نادوا أيضا .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 47 ]

وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) والظلم هنا الشرك لا غير .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 48 إلى 51 ]

وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 51 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 149 | ابن عربي / محمود محمود الغراب