تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
ألقيت إليها إلا عين عيسى روح اللّه وكلمته وهو عبده ، فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية ، فكان نطقه كلام اللّه في نفس الرحمن ، فنفّس اللّه عن أمه بذلك ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه مما طهرها اللّه منه :
« وَرُوحٌ مِنْهُ »
وهو النفس الذي كانت به حياته ، وسمّي عيسى عليه السلام بروح اللّه لأن جبريل عليه السلام وهو روح القدس هو الذي وهبه لأمه :
« فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ »
الأحدية أشرف صفة الواحد من جميع الصفات وهي سارية في كل موجود ؛ ولولا أنها سارية في كل موجود ما صح أن تعرف أحدية الحق سبحانه ؛ فما طلب الحق من عباده إلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له في ألوهته :
« سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ »
كما قال تعالى لم يلد ، وقال سبحانه أن يكون له ولد ؛ فليس الحق بأب لأحد من خلق اللّه ولا أحد من خلقه يكون له ولد سبحانه وتعالى . فكما قال تعالى في عيسى :
« وَرُوحٌ مِنْهُ » ،
فما شيء من الوجود إلا منه . قال تعالى : « وسخر لكم ما في السماوات والأرض » جميعا منه
« لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا » .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 172 ]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 )
« لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ »
لكونه يحيي الموتى ويخلق ويبرئ
« أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ » ،
ثم عطف فقال :
« وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ »
وهم العالون عن العالم العنصري المولد ، فهم أعلى نشأة ، والإنسان أجمع نشأة ؛ فإن فيه الملك وغيره فله فضيلة الجمع ، ولهذا جعله معلم الملائكة وأسجدهم له .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 173 إلى 174 ]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 569 | ابن عربي / محمود محمود الغراب