تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
المؤمن باللّه لا يقال له : آمن باللّه فإنه به مؤمن ، وإن احتمل أن يؤمن به لقول هذا الرسول الخاص على طريق القربة ، ولكن التحقيق في ذلك ما ذهبنا إليه ولا سيما والحق قد أطلق اسم الإيمان على من آمن بالباطل ، واسم الكفر على من كفر بالطاغوت - الوجه الثالث -
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
يريد أهل الكتاب حيث قالوا ما قالوه لأمر نبيهم عيسى أو موسى أو من كان من أهل الإيمان بذلك من الكتب المتقدمة ، ولهذا قال لهم
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
ثم قال لهم
« آمَنُوا »
بأنبيائي ، قولوا لا إله إلا اللّه لقول محمد صلّى اللّه عليه وسلم لا لعلمكم بذلك ولا لإيمانكم بنبيكم الأول ، فتجمعوا بين الإيمانين فيكون لكم أجران . ومن هنا يعلم الفرق بين العلم بالشيء وبين الإيمان به ، وأنّ السعادة في الإيمان وهو أن تقول ما تعلمه ، وما قلته لقول رسولك الأول لقول هذا الرسول الثاني الذي هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم لا لعلمك ولا للقول الأول ، فحينئذ يشهد لك بالإيمان ومآلك السعادة ، وإذا قلت ذلك لا لقوله ، وأظهرت أنك قلت ذلك لقوله ، كنت منافقا ، فما اختبر اللّه العالم إلا ليعلم ما هو به عالم فقال
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
: هذا ذلك من وجه ، فهذا مؤمن كلف أن يؤمن بما هو به مؤمن . لذلك قال
« آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » ،
ولا يؤمن بالرسول إلا ما خاطبه الحق في سرّه ، وإن لم يشعر به المخاطب ولا يعرف ، ولكن يجد التصديق به في قلبه . فلولا تجلي الحق لقلب المؤمن وتعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بالرسول ولا صدّق . وكذلك في إيمان المؤمن بما جاء به الرسول وهو قوله
« وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ » ،
لولا تجلي الرسول بقلبه وتعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بما جاء به ولا صدق وإن لم يشعر المؤمن ولا يدري كيف آمن ، فما كل مؤمن يعرف من أين حصل له الإيمان - الوجه الرابع - لما كان التأيه والنداء مؤذنا بالبعد عن الحالة التي يدعو إليها من يناديه من أجلها فيقول
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا »
فلبعدهم مما أيه بهم أن يؤمنوا به ، لذلك أيه بهم ، فإن كانوا موصوفين في الحال بما دعاهم إليه فيتعلق البعد بالزمان المستقبل في حقهم ، أي اثبتوا على حالكم الذي ارتضاه الدين لكم في المستقبل كما قال يعقوب لبنيه
« فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »
في حال حياته ، فأمرهم بالإسلام في المستقبل أي بالثبوت عليه ، والاستقبال بعيد عن زمان الحال ، فيكون التأيه أيضا بما هو موجود في الحال أن يكون باقيا في المستقبل . واعلم أن النداء الإلهي يعمّ المؤمن والكافر والطائع والعاصي والأرواح والروحانيين ، فمن أجاب سمي مطيعا وكان سعيدا ، وإن لم