تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
ما يأتي بالقهر والفظاظة ، ولا يأتي بالقهر ما يأتي باللين ، فإن القهر لا يأتي بالرحمة والمودة في قلب المقهور ، وباللين ينقضي المطلوب وتأتي بالمودة ، فتلقيها في قلب من استملته باللين ، وصاحب اللين لا يقاوم ، فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم ، فالرخاوة في الدين من الدين ، ولهذا امتن اللّه فجعل نبيه من أهل اللين فقال
« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ »
وبهذا فضلهم ، واللين خفض الجناح والمداراة والسياسة ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ مداراة الناس صدقة ] والدعوة إلى اللّه تحتاج إلى علم السياسة ، فإن صورتها من الداعي تختلف باختلاف صورة المدعو ، فثم دعاء بصفة غلظة وقهر ، وثمّ دعاء بصفة لين وعطف
« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »
فلو كان فظا غليظا في فعله وقوله لانفضوا من حوله ، فهم مع العفو واللين لا يقبلون ، فكيف مع الشدة والفظاظة ، لن يزالوا مدبرين
« فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ »
ليس للرسول من حيث رسالته المشاورة ، فمشاورته لأصحابه في غير ما شرع له ، وذلك من مقام الخلافة لا الرسالة . فلما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الخلفاء قيل له
« وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ »
فأمر الحق نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بمشاورة أصحابه في الأمر الذي يعنّ له إذا لم يوح إليه فيه شيء ، لأن للحق وجها خاصا في كل موجود ، لا يكون لغير ذلك الموجود . فقد يلقي إليه الحق سبحانه في أمر ما ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة ، كعلم الأسماء لآدم مع كون الملأ الأعلى عند اللّه أشرف منه ، ومع هذا كان عند آدم ما لم يكن عندهم . واللّه تعالى يعطي بسبب ، وهو الذي كتبه القلم من علم اللّه في خلقه ، ويعطي بغير سبب ، وهو ما يعطيه من ذلك الوجه ، فلا تعرف به الأسباب ولا الخلق ، فوقعت المشورة ليظهر عنها أمر يمكن أن يكون من علم ذلك الوجه ، فيلقي إليه من شاوره في تدبيره علما قد حصل له من اللّه ، من حيث ذلك الوجه الذي لم يكتب علمه ولا حصل في خلقه ، ولهذا قال اللّه لرسوله
« فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ »
يعني على إمضاء ما اتفقتم عليه في المشورة ، أو ما انفردت به دونهم . وقوله تعالى :
« فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ »
في مثل هذا ما لم يقع الفعل ، فإن العزم يتقدم الفعل ، فقيل له : توكل على اللّه ، فإنه ما يدري ما لم يقع الفعل ما يلقي اللّه في نفسك من ذلك الوجه الخاص الإلهي ، فلا يطلع على مراتب العقول إلا أصحاب المشاورة ، ولا سيما في المسامرة ، فإنها أجمع للهمّ والذكر ، وأقدح لزناد الفكر . فعرض الإنسان ما يريد فعله على الآراء دليل على عقله التام ، ليقف على تخالف الأهواء ، فيعلم