[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 38 ]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 )
لما دخل زكريا عليه السلام على مريم المحراب ، وهي بتول محررة - وقد علم زكريا ذلك - ورأى عندها رزقا آتاها اللّه ، أعجبه حالها ، فطلب من اللّه عند ذلك أن يهبه ولدا حين تعشق بحالها ، فقال
« رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ »
يقول من عندك ، عندية رحمة ولين وعطف
« ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ »
ومريم في خياله من حيث مرتبتها وما أعطاها اللّه من الاختصاص بالعناية الإلهية :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 39 ]
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 )
« فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ »
لأنه دخل عليها المحراب عندما وجد عندها الرزق
« أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً »
وهو الكمال ، لأن مريم كملت فكمل يحيى بالنبوة . فسيادة يحيى عليه السلام سيادة ظاهرة ولهذا صرح بها في الكتاب المبين ، وأخفى فيه سيادة محمد سيد العالمين ، ثم صرح بها على لسانه في الشاهدين ، فالسيادة الظاهرة سيادة الدنيا ، والسيادة الباطنة سيادة الآخرة ، بقوله [ أنا سيد ولد آدم ] [ وأنا سيد الناس يوم القيامة ] فصرح بسيادة يحيى في القرآن لمناسبتها للظهور فظهر الوصف ، ولما كانت سيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم باطنة ، أي محل ظهورها في الدار الآخرة ، لذلك بطن ذكرها في الكتاب العزيز ، وحصورا ، وهو الذي اقتطعه اللّه عن مباشرة النساء ، وهو العنين عندنا ، كما اقتطع مريم عن مباشرة الرجال ، فكان يحيى زير نساء ، كما كانت حنة مريما من أثر همة والده ، فما هي صفة كمال ، وإنما كان أثر همة ، فإن الإنتاج عين الكمال
« وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ »
فما عصى اللّه قط ، وهو طلب الأنبياء كلهم أن يدخلهم اللّه برحمته في عباده الصالحين ، وهم الذين لم يقع منهم معصية قط ، كبيرة ولا صغيرة ، فانظر ما أثر سلطان الخيال من زكريا في ابنه يحيى عليهما السلام ، حين استفرغت قوة زكريا في حسن حال مريم عليها السلام لما أعطاها اللّه من المنزلة ، فالخيال وإن كان من الطبيعة فله سلطان عظيم