تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
غضب الرب ، واعتناء اللّه بذلك ، فيسر بها لعلم اللّه بما أنفق ، ومن راعى الإعلان يعلن بها للتأسي وراثة نبوية ، وإعلانا بالطاعة للّه حتى تكون كلمة اللّه هي العليا ، كما يعلن أصحاب المعاصي بالمعاصي والمخالفات وإظهار المنكرات ولا يستحيون من اللّه ، ومعلوم أن هناك خلافا في الصدقة المكتوبة وصدقة التطوع .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ]

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 )
« لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ »
فيما يجري منهم من خير وشر ، أي ليس عليك أن توفقهم لقبول ما أرسلتك به وأمرتك بتبيانه
« وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي »
أي يوفق
« مَنْ يَشاءُ »
وهو أعلم بالمهتدين ، فاللّه سبحانه من حيث هو الهادي له الإبانة والتوفيق ، وليس للهادي الذي هو مخلوق إلا الإبانة خاصة
« وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ »
اعلم أن اللّه وصف نفسه بالغيرة ، وعلم من أكثر عباده أنهم يهبون جزيل المال وأنفسه في هوى نفوسهم وأغراضهم ، فإذا أعطى أكثرهم للّه أعطى كسرة باردة ، وفلسا وثوبا خلقا ، وأمثال هذا ، هذا هو الكثير والأغلب ، فإذا كان يوم القيامة وأحضر اللّه ما أعطى العبد من أجله ، بينه وبين عبده حيث لا يراه أحد ، فأعطى ما أعطى لغير اللّه ، فيقول له : يا عبدي أليست هذه نعمتي التي أنعمت بها عليك ؟ أين ما أعطيت لمن سألك بوجهي ؟ فيعيّن ذلك الشيء التافه الحقير ، ويقول له : فأين ما أعطيت لهوى نفسك ؟ فيعين جزيل المال من ماله ، فيقول : أما استحييت مني أن تقابلني بمثل هذا وأنت تعلم أنك ستقف بين يدي ، وسأقررك على ما كان منك ؟ فما أعظمها من خجلة ، ثم يقول له : قد غفرت لك بدعوة ذلك السائل لفرحه بما أعطيته ، لكني قد ربيتها لك ، وقد محقت ما أعطيته لهوى نفسك ، فإن صدقتك أخذتها وربيتها لك ، فيحضرها أمام الأشهاد وقد رجع الفلس أعظم من جبل أحد ، وما أعطى لغير اللّه قد عاد هباء منثورا ، فالعارفون باللّه لا يعطون للّه إلا أنفس ما عندهم ، لا أحقر ما عندهم ، فكلهم للّه ، وكل ما عندهم للّه ، العبد وما يملكه لسيده ، فيعطون بيد اللّه ويشاهدون يد اللّه هي الآخذة ،