تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ » *
فوقع هذا في مسموعهم فتصرفوا في العالم بحكم الخلافة ، وقال لإبراهيم عليه السلام بعد أن أسمعه خلافة آدم ومن شاء اللّه من عباده
« إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً »
لما علم أن الخلافة قد أشربها فلا يبالي بعد ذلك أن يسميه بأي اسم شاء ، فقال إبراهيم لربه تعالى :
« وَمِنْ ذُرِّيَّتِي »
« قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
فإن الإنسان المخلوق على الصورة - لا الإنسان الحيوان - هو الذي له الإمامة في الكون ، صاحب العهد فإن اللّه لا ينال عهده الظالمون وليس عهده سوى صورته ، فما أهمل من أهمل من الأناسي إلا لجهله بمنزلته وتصرفه في غير مرتبته ، فلو أعطى نفسه حقها ، كما أعطاها ربها خلقها ، لكان إمام العالمين ، فالسيد الإمام ، العارف العلام ، يقول : الأمام الأمام ، وفي يده سراجه وفي رأسه تاجه ، يشهد له الحق بالخلافة ، والأمن من كل عاهة وآفة ، وأما إذا كانت الطرق مظلمة ، لا يعرف الماشي فيها في أي مهواة يهوي ، ومع هذا يسير ولا يلوي ، فإذا سقط ، عند ذلك يعلم أنه فرط .
هامش
وهناك ( لا تقبل منها ) أي من أجلها شفاعة ، وهنا ولو قبلت عناية بالشافع ما نفعت المشفوع فيه ، بأن نعلم الشافع مرتبته من عنايتنا به عندنا ، ونبين له قدر الجريمة التي لهذه النفس ، فيرجع الشافع عن ذلك إعظاما لجناب اللّه مع أن الحق سمع شفاعته ، ولكن ما نفعت المشفوع ، هذا كله على تقدير الوقوع ، أي لو وقعت الشفاعة من أهل العناية عندنا لكان الأمر كما ذكرناه ، فزاد هنا ما لم يذكر في الأولى« وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ »قد مضى تفسيره ، ثم قال : ( 125 )« وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ »الصحيح في هذه الكلمات عدم تعيينها ، فنعلم قطعا أن اللّه اختبره بكلمات أنزلهن عليه« فَأَتَمَّهُنَّ »فأثنى عليه بقوله :( وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى )ومحن الأنبياء كثيرة ، وما كلفوه كثير ، كما قيل لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا )على غيرك ونهونه عليك ، والعامل في« إِذِ »إما مضمر ، وإما جاعلك ، أي قام بهن حق القيام من الشكر إن كان نعمة ، ومن الصبر إن كان غير ذلك ، كذبح الولد والرمي في النار وغير ذلك ، فوفّى صلّى اللّه عليه وسلم بجميع ما خوطب به على حسب ما يعطيه ذلك الخطاب ، وقد أكثر الناس في تعيين الكلمات من غير دليل قاطع ، فلهذا تركت تعيين ما يمكن أن تكون ، إذ لا يفيد ذلك علما ، وقوله :« قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً »يحتمل أن يكون هذا من الكلمات ، لأنها ابتلاء لما يلزمه فيها من مراعاة حدود اللّه في خلقه ، وإقامة العدل فيهم ، والنظر في مصالحهم الدينية والدنياوية ، والمبالغة في