تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 116 إلى 117 ]

وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 )
« بَدِيعُ »
لأنه ما خلقهما على مثال متقدم ، وكل خلق على غير مثال فهو مبدع بفتح الدال ، وخالقه مبدعة بكسر الدال « والسماوات والأرض » يعني بذلك ما علا وما سفل ، فهو بديع كل شيء . وليس الإبداع سوى الوجه الخاص الذي له في كل شيء ، وبه يمتاز عن سائر الأشياء ، فهو على غير مثال وجودي ، إلا أنه على مثال نفسه وعينه من حيث إنه ما ظهر عينه في الوجود إلا بحكم عينه في الثبوت من غير زيادة ولا نقصان ، والابتداع على الحقيقة إنشاء ما لا مثل له بالمجموع ، ولا بديع من المخلوقات إلا من له تخيل ، فقد يبتدع المعاني ولا بد أن تنزل في صور مادية وهي الألفاظ التي بها يعبر عنها ، فيقال : قد اخترع فلان معنى لم يسبق إليه ، وكذلك أرباب الهندسة لهم في الإبداع اليد الطولى ، ولا يشترط في المبتدع أنه لا مثل له على الإطلاق ، إنما يشترط فيه أنه لا مثل له عند من ابتدعه ولو جاء بمثله خلق كثير كل واحد قد اخترع ذلك الأمر في نفسه ثم أظهره ، فهو مبتدع بلا
هامش
فكأنه يقول : وللّه ما شرق منكم أي ما ظهر ، وما غرب عنكم أي ما استتر ، فأينما تولوا بوجوهكم وقلوبكم فثمّ وجه اللّه ، أي هو مطلع عليكم ، ويؤيده قوله :« إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ »وهذا من باب الإشارة والتنبيه ( 117 )« وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ »الضمير يعود على من تقدم ، وهو داخل في قوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ )( وَسَعى ) *وقال :« اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » *يريد بذلك من قال : المسيح ابن اللّه ، وعزير ابن اللّه ، والملائكة بنات اللّه ، فإن الولد ينطلق على الذكر والأنثى ، وهذا أشد ظلما مما فعلوه ، فنزه الحق نفسه عما نسبوا إليه ، وهنا وجهان الوجه الواحد ، إن كانوا أرادوا التبني لقوله :( لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ )ثم نزه نفسه عن ذلك ، فيكون هذا القول منهم افتراء على اللّه ، حيث نسبوا إليه ما لم ينسب إلى نفسه ، مع جواز التبني بطريق الاصطفاء ، ولكن ما وقع ، والوجه الآخر ، أن يريدوا الولد المعروف الذي للصلب ، فهو جهل منهم باللّه تعالى ، فهم ما بين جاهل ومفتر ، فنزه اللّه سبحانه عن الأمرين نفسه ، فقال سبحانه عن ذلك : « بل » حرف إضراب عن قولهم :« لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 184 | ابن عربي / محمود محمود الغراب