بحرف الإشارة تعيين لشجرة معينة ، فتقدم الأمر لآدم عليه السلام بسكنى الجنة والأكل منها حيث شاء ، ثم نهاه عن قرب شجرة مشار إليها أن يقربها ، فوقع التحجير والنهي في قوله حيث شئتما لا في الأكل ، فما حجر عليه الأكل وإنما حجر عليه القرب منها الذي كان أطلقه في حيث شئتما ، فما أكلا منها حتى قربا ، فتناولا منها ، فأخذا بالقرب ، لا بالأكل ، فالتكليف مقسم بين : أمر ونهي ، وهما محمولان على الوجوب حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال - وإن كان مذهبنا فيهما التوقيف - فتعين امتثال الأمر والنهي فإن قلت : كيف اقتحم النهي على المعصية ؟ قلنا : لظهور هذه الحكمة ، وهي الخلافة في الأرض وتمييز القبضتين ، لذلك لم يكن النجم ، وكان الشجر ، لوجود الخلاف الذي ظهر ، فالشجر من التشاجر والخلاف .
هامش
ومنزلا ، وعطف زوجك على أنت ، وإنما تعريف الجنة بالألف واللام فيمكن أن يريد جميع الجنات ، ويمكن أن يكون جنة معينة ، وعلى أي وجه كانت فهو يتبوأ منها حيث يشاء ، أي يسكن منها حيث شاء ،« وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما »وحيث شئتما معمول لاسكن ، يقول : اسكن أنت وزوجك الجنة حيث شئتما منها ، وكلا رغدا أي اتسعا في عيشكما ، لأن الرغد هو الاتساع في العيش ، وهذا أوجه من أن يكون العامل في الظرف« كُلا »ومنها قد يكون متعلقا بكلا ، وقد يكون بقوله اسكن ، وأما في الأعراف فقد بيّن هنالك أن قوله فكلا هو العامل في قوله( مِنْ حَيْثُ شِئْتُما )والجمع بين الآيتين إن كانت القصة واحدة ، أن المعنى اسكن من الجنة حيث شئت ، وكلا من حيث شئتما من ثمرها ، وهو معنى قوله في الزمر( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ )فرفع التحجير ، ثم قال« وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ »عيّنتها الإشارة ، والأظهر تعيين واحدة من الجنس ، ودون هذا تعيين الجنس ، وما ذكر اللّه تعالى أية شجرة هي ، ولا صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومثل هذا لا يدرك بالاجتهاد ، لكني أشير إلى اللفظ بهذا الاسم ، وذلك أن الشجرة مشتقة من التشاجر ، لتداخل أغصانها بعضها على بعض ، كالمتشاجرين يدخل كلام بعضهم في كلام بعضهم بالمخالفة والمنازعة ، وربما أنه ما في الجنة شجرة على هذه الصفة إلا هذه ، وسائر شجر الجنة لا تدخل أغصانها بعضها على بعض ، ولذلك ما ذكر اللّه تعالى في القرآن إلا ثمرات الجنة ، فإنه جعلها منزل موافقة ، فقد يكون أغصانها تخرج على الاعتدال والاستقامة ، وذكر ذلك في النار فقال( إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ )وقال( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ )فإن جهنم دار نزاع وتشاجر ، قال تعالى( إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ )فوصفهم بالمخاصمة وهي المشاجرة ، ومنها ( قالت أولاهم