تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسرار التكرار في القرآن — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
وذلك أن العبادة قد فرضت على الجميع بما فيها من فعل وترك لإبقاء الإيمان في القلوب على درجة من القوة والفاعلية ترفع طلائع الإسلام إلى الدعوة بالقول والعمل . فالعبادة في الحقيقة وسيلة تربية وإعداد وبناء لإنسان الحضارة القرآنية ، فمن أقام عليها دون أن يدعو إلى اللّه وإلى سبيله فمثله كمثل من أعد أرضا للزرع ، وهيأها للإنتاج ، ثم نام على ثراها لا يفيد نفسه ولا غيره من ثمارها ، وهو انحراف عن السنن المشروع الذي علّمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه في صدر الدعوة ، ثم بدت نذر ( التقوقع ) والانزواء في عصر التابعين وفي حياة المعمرين من الصحابة أنفسهم . ومن أمثلة ذلك ما روى الشعبي : « أن رجالا خرجوا من الكوفة ، ونزلوا قريبا يتعبدون ، فبلغ ذلك عبد اللّه بن مسعود ، فأتاهم ، ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم : ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا : أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبد اللّه : لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم ، فمن كان يقاتل العدو ؟ ! وما أنا ببارح حتى ترجعوا » . هذا هو فقه القرآن كما علمه ابن مسعود من تعاليم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومن تجربة مماثلة حاول القيام بها عثمان بن مظعون الصحابي هو وجماعة من أصحابه فنهاهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأنار لهم طريق القرآن الحق . لن يكون الإنسان المسلم التابع للقرآن عاملا بأمر ربه إلّا إذا عبده ، ودعا إليه وإلى دينه وكتابه . هكذا أرسل اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
« 1 » ، وهكذا أثنى القرآن على الدعاة
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
« 2 » ، بل إن الإمام الشاطبى لم يجعل من قاعدة فرض الكفاية في
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 46 . ( 2 ) سورة فصلت : 33 .