لنرى ، والعرب تضع العلم مكان الرؤية والرؤية مكان العلم ؛ وروى الضحّاك هذا القول عن ابن عبّاس ؛ وقال آخرون : معناه ليتّبع المتّبع ؛ فيكون العلم علما به ، ومثله قول القائل : ما علم اللّه هذا منّي ، أي لم يكن ذلك منّي فيعلمه اللّه ، وعلى مثل هذا يحمل قول :
أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ
أي بما لا يكون ، فيعلمه ؛ ومثله قوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
أي حتّى يكونوا مجاهدين .
وقوله :
وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً
يريد وإن كانت التولية عن بيت المقدّس إلى الكعبة لثقيلة مستنكرة عظيمة في صدور الناس ، وهذا قول ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد وقتادة ؛ وقال أبو العالية : وإن كانت قبلة بيت المقدّس والصلاة إليها ستّة عشر شهرا لكبيرة أي كبرت عليهم ، لمفارقتهم قبلة آبائهم .
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
ووفّقهم للتصديق ؛ وقوله :
وَإِنْ كانَتْ
أي لقد كانت .
قال سيبويه :
« إِنْ »
تأكيد شبيه باليمين ، ولذلك دخلت اللام في جوابها ؛ ونحوه قال الزجّاج قال : هذه اللام إذا لم تدخل مع أنّ الخفيفة كان الكلام جحدا ، ولولا اللام كان المعنى ما كانت كبيرة ؛ فإذا اجتمع إن واللام فمعناهما التوحيد للقصّة .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
أي صلاتكم إلى بيت المقدّس ، هذا قول البراء وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عبّاس في رواية الكلبي وعطاء والضحّاك وعكرمة وهو قول مقاتل وابن زيد وقتادة وابن جريج والربيع ؛ وتسمّى الصلاة إيمانا لأنّها من شرائع الإيمان ، واللّه تعالى لا يضيع إيمان المؤمنين . فنبّهوا بالجملة على التفصيل . قال الكلبي : كان تحويل القبلة بعد موت سعد بن زرارة والبراء بن معرور وكانا من النقباء ( 264 آ ) فسأل الأنصار رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عمّا سلف من صلاتهم وصلاة إخوانهم الذين ماتوا . قال مقاتل :
قد مات رجال غير هذين ، وقيل : إنّ اليهود عيّروهم بذلك وقالوا : إن كان التحويل حقّا فقد ضاعت صلاة إخوانكم .
وقال بعض أهل المعاني « 1 » : كما لا يضيع صلاتكم إلى الكعبة لأنّها كانت بأمر اللّه كذلك لا يضيع صلواتكم إلى البيت المقدّس لأنّها كانت بأمر اللّه ؛ وقال ابن جرير : الإيمان بمعنى
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .