وأنت يا موسى ! قد شاهدت هذه الحالات الثلاث في نفسك . سفينتك كانت جسمك ، ألواح السفينة أعضاء جسمك ، مساكين السفينة المعاني الموجودة في بدنك . كان الغاصب فرعون ، والخضر جبرائيل الذي مدّ يدك إلى النار لتضعها في فمك ، وليحترق لسانك ؛ واللسان كان لوحا من ألواح السفينة كي يتركها الغاصب ، وبقيت السفينة للمساكين ؛ وحادثة قتل الغلام كقتل ذلك القبطيّ الذي وكزته بدون ذنب وقتلته ممّا أدّى إلى فرارك وإلى أن تصل مرتبة النبوّة ؛ والحادثة الثالثة الحائط ، وأنت كنت قطعت طريقا طويلا ، ووصلت جائعا مجهدا إلى بئر ، حيث الرعاة يسقون ماشيتهم ؛ وعلى تعبك وجوعك ساعدت ابنتي شعيب كي تسقيا ماشيتهما ، ولم تطلب أجرا ، فلم ذلك ؟ !
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
هو نفسه الذي قلته :
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً .
ولمّا كانت قد مرّت عليك تلك الحالة ، فلماذا أنكرتها عليّ ؟ !
وهذه الحالات الثلاث تمرّ على كلّ شخص . قلب المؤمن مكسور : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » ، كي يتركه الشيطان ، ويبقى القلب لسكنة القلب . النفس الأمّارة ينبغي أن تقتل وإلّا فإن استفحلت تبيد الأبوين : العقل والنظر ، وتجرّ إلى الأهواء لكي نعطيه بدل النفس الأمّارة نفسا مطمئنّة .
وأيضا : جدار حوله وقوّته قابل للهدم وإعادة البناء ، فتحته كنز : « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه كنز من كنوز الجنّة » ولذلك الكنز كلمتان ، وكلتاهما يتيمتا هذا العالم : إحداهما كلمة التوحيد ، والأخرى كلمة النبوّة . إحداهما لا إله إلّا اللّه ، والأخرى محمّد رسول اللّه .
وأبوهما : الأمر الأوّل ؛ وإن قلت : أبوهما القلم واللوح ؛ فأحدهما رجل والآخر قابل ؛ أحدهما فاعل والآخر منفعل .
ومرّة أخرى الكنز الثمين : القرآن ؛ والجدار الذي هو علامة الكنز : الإنسان :
الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ .
ومتى ما أراد الجدار أن ينقضّ يتصدّى له عظيمان فيعيدان بناءه .
أحيانا ، الإنسان علامة القرآن ، والقرآن كنز . وأحيانا ، القرآن علامة الإنسان ، والإنسان كنز .
أمير المؤمنين عليّ - عليه السلام - كان يجمع القرآن الذي تحته كنز ليتيمين : أي الحسن