مذهب لي عنك وأنت أقرب من وريدي وأحضر من عديدي وأزمّة الأمور كلّها بيدك . » فقربه تعالى أقرب من كلّ قريب ، وشهوده أشهد من كلّ شاهد .
والمتكلّمون يطلقون لفظ الشاهد على الأجسام المخلوقة ولفظ الغائب عليه تعالى ، واللّه تعالى يقول :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
وله مع كلّ نفس سائق وشهيد ، وعلى كلّ شيء حفيظ ورقيب .
وكيف يستبعد ذلك وقد عرفت أنّ من الملائكة ما يكون حاله بالنسبة إلى الموجودات التي هي في تصرّفه وتدبّره حال غير مكاني ولا زماني كميكائيل عليه ( 314 ب ) [ السلام ] ملك الأرزاق ، قربه من المرتزقين وإدراره الرزق عليهم بتقدير العزيز العليم ، بحيث لا يحجبه مكان [ عن مكان ] ولا يشغله شأن عن شأن ، وعزرائيل عليه [ السلام ] ملك الآجال قربه من النفوس والأرواح بالقبض والإماتة ليس بقرب مكاني ، بل الأسامي كلّها مكتوبة على كفّه كما قيل ، ينظر فيها فيمحو أو يثبت ما شاء اللّه - عزّ وجلّ - فينمحي المسمّى
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ،
وكذلك كلّ ملك موكّل بعمل ، وكل روحاني مدبّر لجسماني ، وكذلك كلّ عقل ونفس مفارق للمادّة ومجرّد عن الهيولى على مذهب الحكماء حكمه حكم العقل الكلّي والنفس الكلّية ، ونسبته إلى أشخاص النوع نسبة الكلّ إلى الجزء ونسبة المصدر إلى المظهر ؛ فهو أقرب من كلّ قريب وأحضر من كلّ عديد ، وأشهد من كلّ شهيد ؛ ولذلك قال تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي .
والعباد المخصوصون به أحقّ بالقرب منه وأجدر بالجوار لديه ، وجواره إنّما يكون بالانخراط في سلك الكلمات ، والاتّصال بعالم الكلمات ، والدعاء بتلك الدعوات حتّى تنطبق الكلمة على الكلمة ؛ فيحصل المراد والبغية ، وذلك إجابة الدعوة وقضاء الحاجة ونيل الطلبة ، فهو تعالى منتهى مطلب الحاجات ، ومن عنده نيل الطلبات ، ولا حجاب بين اللّه والعبد المخلص في الدعاء المستجيب له المؤمن به ، وإنّما الحجاب في الأعمال « وإنّما تحجبهم الأعمال دونك » وعلى مذهب الحكماء : الحجاب من المادّة ، ولوازمها من القوى الشهوية والغضبية وما تجرّد عن المادّة فلا حجاب له ولا مانع .
وسرّ آخر : في أنّ الدعاء كيف يردّ البلاء ، فالبلاء إذا كان مقضيّا كيف يرتدّ بدعاء