المشركون ، ولذلك قدر المثل المذكور عليهم ، ثمّ عقّب ذلك بخطاب خاصّ بالمؤمنين ، وأحلّ لهم ما حرّم المشركون على أنفسهم وعرّفه لهم أنّه من خطوات الشيطان .
التفسير والمعاني
قال الكلبي ومقاتل : من طيّبات ما رزقناكم من الحلال من جملة الحرث والأنعام ومن لذيذه الذي أباح لكم ؛ وقال أهل المعاني : الطيّب الطاهر وما لا تنفر عنه النفس طبعا ، وما حرمّه اللّه فهو ممّا تنفر عنه النفوس فليس بطيّب ؛ وإنّما نصّ على الأكل من بين سائر الانتفاعات ، إذ هو أعظم وجوهها .
وقوله :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
بالطاعة له والثناء عليه ورؤية النعمة منه واستعمالها في طاعته .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
معناه إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين ؛ و
« إِنْ »
هاهنا بمعنى الشرط وهو كقولك : إن كنت محبّا لي فأطعني ؛ والمراد منه الإعلام بأنّ الطاعة للحبيب من شرائط المحبّة ، يريد أنّ صفة من يعبد اللّه أن يشكره على ما أولاه من النعم ، ورزقه من الطيّبات ( 294 آ ) ؛ والشكر قد يكون باللسان وهو أن يقول : الحمد للّه ، وقد يكون بالقلب وهو أن يرى النعمة من اللّه ، وقد يكون بالفعل وهو أن يستعمل نعمة اللّه في طاعة اللّه .
الأسرار
قال الشاكرون نعمة اللّه : الأرزاق قد تكون سماوية كما قال اللّه تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
وقد تكون أرضية كما قال تعالى :
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ ؛
ولمّا كان الخطاب الأوّل عامّا شاملا للمؤمنين والمشركين خصّ المأكول بما في الأرض ، ولمّا كان الخطاب الثاني خاصّا بالمؤمنين عمّ الرزق بما في السماء والأرض ؛ فالأرزاق السماوية كلماته الطيّبة وأوامره الشريفة وكتبه الكريمة ؛ فخاطب المؤمنين بأكلها أي بقبولها ممّن قبلها منه وحيا تأييدا ، ووجب على المؤمنين قبولها والشكر عليها بالطاعة له