تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
والوجه الرابع : أنّ دعواهم التّرتب في العقول والتفاضل في العلوم ودعوى سائر الناس التساوي في العقول ؛ والعقول إذا كانت مترتّبة فتنتهي في الترقّي إلى عقل هو كامل في ذاته ويكون علمه أعلى من علوم غيره ، وهو الذي يؤدّيه معنى قولهم :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، *
إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ .
والوجه الخامس : أنّ غير النبيّ لا يحسن دعوى النبوّة ، فكيف يدّعيها ؟ لست أقول : لا يتمكّن أن يتلفّظ بلفظ الدعوى ظاهرا ، بل النبوّة خطّة سماوية وأثرة علوية لا يحسنها غير النبيّ نفسه أو من يسمع منه ، كما أنّ الإنسانية إنّما تميّزت عن غيرها من سائر الأنواع بأمر لا يحسنه إلّا الإنسان ، وغيره لا يدّعيها ولا يحسن دعواها حقيقة . اعتبر حال من تنبّى وادّعى النبوّة لنفسه هل عرف النبوّة ما هي ؟ و [ هل ] إنّها سعادة تتّفق لشخص اتّفاقا من اعتدال في المزاج ونظر سعود اتّصل بطالع مولود أم هي أثرة إلهيّة مقدّرة ،
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ،
وخيرة ربّانية محكمة متقنة ،
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ،
بل خلافة في الأرض بشرط أن يقول :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
لا أن يقول : إنّ الأرض بيني وبينك نصفان . يا عجبا متى ( 223 ب ) كان مسيلمة الكذّاب يحسن دعوى النبوّة ؟ ! أورثها من آبائه وأسلافه ذرّيّة بعضها من بعض ؟ ! أم من علمائه وأنبيائه ؟
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى .
والوجه السادس : الخبر وإن كان محتملا للصدق والكذب إلّا أنّه لا يبقى على احتماله قطّ ما لم يجعل أحد الطرفين أولى من الثاني ؛ فإنّ الاحتمال من حيث هو احتمال لا وجود له ، كما أنّ الإمكان من حيث هو إمكان لا وجود له ؛ فإذا أخبر النبيّ بأنّه رسول اللّه فهو إمّا أن يصدّق فقد جعل بالصدق أولى وإمّا أن لا يصدّق فقد جعل بالكذب أولى ، والخبر في نفسه أولى بالصدق منه بالكذب ؛ فإنّ الإصغاء إلى المخبر واستماع الكلام منه يجعله بالصدق أولى ، ولهذا السرّ فرّقنا بين صدق الكاذب وبين تكذيب الصادق ؛ فإنّ مصدّق الكاذب منفيّ عنه الخطر :
وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ،
وإنّ مكذّب الصادق مجلوب عليه الخطر :
وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ .
هذا آدم - صلوات اللّه عليه - قد صدّق كاذبا في أكله من الشجرة ؛ فلم يضلّ عن الطريق ؛ وإن زلّ فلم يزلّ كلّ الزلّة ، وهذا إبليس - لعنه