وقال أهل المعاني : « 1 » القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع من القلب ، وهو قول الزجّاج . قالوا : ويمكن أن يكون المراد بذلك جميع بني إسرائيل المعاصرين والماضين ، ويمكن أن يكون المراد به ابن أخي ذلك القتيل ؛ إذ قال بعد رؤية الآية : واللّه ما قتلته .
قال الكلبي : قالوا بعد ذلك : لم يقتله ؛ فلم يكونوا قطّ أعمى بصرا ولا أقسى قلبا إلّا ذلك الوقت ؛ فضرب اللّه لقلوبهم مثلا ؛ فقال :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
أي جفّت واشتدّت وصلبت ؛ وأبو روق قال نحو ذلك .
وقال بعض أهل المعاني : أراد به المعاصرين من علماء اليهود .
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
صلبت عن فهم الخير والانقياد للحقّ والاعتناء برؤية الآيات . فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وصلابة ؛ ومعروف في الكلام أنّ العاصي المتمرّد قلبه حجر لا تؤثّر فيه المواعظ ولا تنجع فيه النصيحة ، وهو خلاف المؤمن الذي وصف اللّه قلوبهم في قوله :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ .
وقوله :
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ،
قال الفرّاء : « أو » هاهنا بمعنى بل ،
أَوْ يَزِيدُونَ :
بل يزيدون ؛ وحرف الشكّ لو دخل في كلام العرب لم يكن لحقيقة الشكّ ، بل مساقة التأكيد ؛ وإنّما شبّه القلوب بالحجارة لا بالحديد لأنّ الحديد يلين بالنار والحجارة تتصلّب .
وقوله :
أَوْ أَشَدُّ
رفع على تقدير هي أشدّ ، ونصب « 2 » لأنّه خفض في الأصل بتقدير الكاف ، ولكنّه على وزن أفعل وهو لا يتصرّف .
ثمّ قال :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ
أي يتفتّح ويتشقّق ؛ فيخرج منه الماء ؛ فتجرى به الأنهار وهي العيون التي تخرج من الحجر .
وقوله :
مِنْهُ الْأَنْهارُ
والحجارة مؤنّثة . قال الفرّاء فيه وجهان : « 3 » أحدهما أنّ « ما » يكون ( 181 ب ) للمذكّر والمؤنّث ، فذكّره هاهنا ؛ والثاني أنّه ذهب إلى : منها حجرا يشقّق منه الماء ، كقوله :
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
ردّ الكناية إلى المعنى ؛ وفي حرف أبيّ : « منها الأنهار » ردّ الكناية إلى الحجارة ؛ و « من » في قوله :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .
( 2 ) . في الهامش عنوان : النحو .
( 3 ) . في الهامش عنوان : المعاني .