وضع الشيء في غير محلّه ، ووافقها سرّ التقدير المفروغ أنّ الحقّ بيدها والأولى معها ، وكادت مكيدة حسنة وظهر من سرّ التقدير ما ظهر من النبوّة والملك في بني إسرائيل .
وقال كعب : كان يعقوب يخدم بيت المقدّس ، وكان أوّل من يدخل وآخر من يخرج ، يسرج القناديل ويصيبها بالغداة منطفأة ؛ فبات ذات ليلة في المسجد ؛ فإذا هو بجنّي يطفيها ؛ فأخذه فأسره وشدّه إلى سارية في المسجد وكان اسم الجنّي إيل ؛ فأسر إيل فسمّي إسرائيل .
وقوله :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ،
قال الكلبي : احفظوا ، وهو قول الفرّاء ؛ وقال بعضهم : معناه لتكن نعمي منكم على ذكر ؛ وقال الحسن : أكثروا ذكر هذه النعم التي أنعمت عليكم وأعدّها لكم ؛ فإنّ ذكرها شكرها ، كقوله :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ؛
وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : هذا خطاب لبني قريظة والنضير وبني قينقاع وما حولهم من يثرب إلى الشام وما حول المدينة من فدك وخيبر والحصون التي فيها أحبار اليهود ينتظرون النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وهم بنو إسرائيل ؛ فقال - عزّ وجلّ -
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - ؛ إذ وجدتم صفته مذكورة في التوراة ، وقلتم إنّ اللّه تعالى علينا عهدا إن أدركناه لنؤمننّ به ولننصرنّه ؛ فعاهد اللّه لهم على نفسه لئن فعلوا ذلك ليدخلنّهم الجنّة ؛ وذلك قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ .
قال مقاتل : ذكّرهم اللّه ما أنعم به على أجدادهم قبلهم ؛ وقال الضحّاك : يذكّرهم ما أنعم عليهم حين كانوا بمصر مستضعفين في أيدي القبط ؛ فأخرجهم ونجّاهم ؛ ومشهور في كلام العرب يفاخر الرجل الرجل ، فيقول : هزمناكم يوم كذا ، وقتلناكم يوم كذا ، أي هزم أباؤنا آباءكم . قال اللّه تعالى لنبيّه : - صلّى اللّه عليه وسلّم - قل لأحبار اليهود اذكروا منّة اللّه عليكم ( 135 آ ) وعلى آبائكم ؛ وفي مناقب الآباء مفاخر الأبناء ؛ وقال قوم : إنّ هذا الخطاب لمؤمني أهل الكتاب ؛ وقال قوم : إنّه عامّ لهم ولأهل الكتابين .
والنعمة هي المنّة ، وهي كلمة تعمّ جميع ما أنعم اللّه به عليهم من الأنبياء والكتب ، وما أنقذهم من الرقّ والأسر والقتل ، وما أظفرهم بعدوّهم وصنعه بهم في التيه ، وغير ذلك ؛ وهذا قول الكلبي ومقاتل ومجاهد .
قال اللّه تعالى :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ،
وهذا مجمل عامّ يعمّ جميع النعم ثمّ فصّلها لهم فيما