وذلك أيضا تنقيص لحاله في طينته ؟ ! وما الفرق بين قولهم :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ،
وذلك إعجاب منهم بأقوالهم الظاهرة ، وبين قول اللعين :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ، *
وذلك إعجاب منه بنفسه ومادّته ؟ !
قيل في الجواب : إنّ الملائكة - عليهم السلام - عارضوا بذلك القول عند الخبر تعجّبا لا إعجابا ، واستعلاما لا إنكارا ، وإنّ اللعين عارض بذلك القول عند الأمر إعجابا لا تعجّبا وإنكارا لا استعلاما ، أما رأيت الملائكة لمّا توجّه إليهم التكليف :
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ؟ !
فما تردّدوا عند الأمر لمّا قيل لهم اسجدوا ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ فسجدوا سامعين مطيعين ، وكان الإباء والاستكبار من اللعين عند الأمر ، قال : سمعنا وعصينا فأبى واستكبر على الأمر وكان من الكافرين بأصل الأمر ؛ إذ لو كان يعتقد أنّ للّه الأمر كما له الخلق لاعترف بأمره مطيعا كما اعترف بخلقه مجبورا ، بل كان يذهب مذهب الصابئة والفلاسفة من انتهاء الخلق بذاته تعالى وصدوره من ذاته لا من أمره ، وقد قيل إنّما رأى المفاضلة بالطينة والمادّة ، لا بالصورة والأمر ؛ فأفحم بقوله : ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ، ولمّا رأى الملائكة المفاضلة بالصورة والأمر حين قال :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *
إذ رأوا التسوية ونفخ الروح فيه وسمعوا الأمر بالسجود وكان بصرهم إلى الصورة وسمعهم إلى الأمر قالوا :
أبصرنا وسمعنا وأطعنا .
فإن قال قائل : نحن تحيّرنا في كثرة أقوال المفسّرين ( 111 ب ) في الملائكة المأمورين بالسجود ، أهم ملائكة مخصوصون أم الملائكة أجمعون ؟ ! وفي قولهم في تفسير
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
ما الباء فيه وما اللام في نقدّس لك ؟ وكذلك في جميع القرآن
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ *
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ . *
قيل في الجواب عن الملائكة : إنّ ظاهر الآية يدلّ على العموم ، خصوصا ذكره عند السجود
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *
بصريح العموم ، لكنّك ينبغي أن تعرف أنّ الملائكة قوم من الروحانيين ، وأنّ العالين العلّيين قوم ، وأنّ المقرّبين الكرّوبيين قوم ، وهم طبقات . قال اللّه تعالى لإبليس :
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ؛
والقسمة بأمر يقتضي التمييز بين القسمين ؛ فلا يجوز أن نحمل العالين