وقال ابن عبّاس في رواية عطاء مثل قول مجاهد . قال : لمّا نصر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - ببدر قالت اليهود : هذا واللّه النبيّ الذي بشّر به موسى ؛ ولمّا رأوا وقعة أحد ارتدّوا وأشركوا .
وقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) اللغة [ و ] التفسير [ و ] المعاني قال أهل اللغة : أصل الصمم الانسداد ؛ والبكم آفة في اللسان لا يتمكّن معها الاعتماد على مخارج الحروف ؛ وقيل : الأبكم الذي ولد أخرس ؛ ومن ولد أصمّ كان أبكم ؛ وقيل : هو المسلوب الفؤاد الذي لا يعي شيئا ولا يفهم ، وارتفع « صمّ » على الاستئناف أي هم كذلك ، كقوله : « التائبون » أي هم كذلك ؛ وفي قراءة عبد اللّه صمّا بكما عميا على معنى وتركهم كذلك ؛ ويجوز أن يكون على الذمّ أو على الحال أو القطع .
وأمّا التفسير : قال ابن عبّاس وقتادة والحسن والسدّي : أي هم صمّ عن الهدى ؛ فلا يسمعون ، بكم عنه فلا يقولونه ، عمي عنه فلا يبصرونه . قال قتادة : عن الحقّ فهم لا يرجعون عن ضلالتهم ولا يتوبون . قال السدّي : فلا يرجعون إلى الإسلام ؛ وقال ابن عبّاس :
صمّ عمّا جاء به محمّد من القرآن ، بكم لا يشهدون أنّه رسول اللّه ، عمي عن الهدى فلا يرجعون ، يريد لا يعقلون ما يجدونه من صفته في التوراة ؛ وقال مقاتل والكلبي :
لا يبصرون الهدى . قال مقاتل : ولا ينطقون بخير ؛ لأنّ اللّه ذهب بنورهم .
وأمّا المعنى : قال أصحاب المعاني : لم يذمّهم اللّه باختلال حواسّهم ، وإنّما ذمّهم لإعراضهم عن التدبّر في آيات اللّه ، وإضرابهم عن طلب الحقّ ، وإصرارهم على ما ألفوه من الكفر . فهم لألفهم الكفر ، وإصرارهم عليه لا يرجعون عنه ؛ ولو كانوا صمّا بكما عميا في الحقيقة لكان لا وجه لقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ؛
والسمع يرد في اللغة بمعنى الإدراك ، قال اللّه تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً *
وقال :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً ؛
ويرد بمعنى الفهم ، قال تعالى خبرا عن الكفّار :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ
وقال :
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
ثمّ قال :
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ؛ *
ويرد بمعنى الطاعة