عصمة الدم والأهل والمال والولد ؛ فيكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا ؛ وحكم القيامة معدّ لهم بما أضمروه من الإنكار والجحود ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .
وأعجب من هذا أنّ صاحب الشرع - صلوات اللّه عليه وآله - كان يعرفهم أوّلا بالإجمال ، ويعرفهم آخرا بتعريف اللّه إيّاه بالتعيين ؛ ومع عرفانه ذلك واطّلاعه عليهم كان يعاشرهم معاشرة المسلمين ، ( 66 آ ) حتّى يجري عليهم أحكام الإسلام وفاء بعدل الشريعة وحكما بكون المستأنف ؛ ويقول : أنا أحكم بالظاهر واللّه يتولّى السرائر ؛ وقد أمره اللّه تعالى بذلك فقال :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ .
فقوله :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ،
حكم المفروغ ؛ وقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،
حكم المستأنف ؛ وهذا الدفع بالحسنى يبلغ إلى أن يعاشر العدو معاشرة الوليّ الحميم ، ولقد كان - صلّى اللّه عليه وآله - يعرف المنافقين تارة بتعريف اللّه تعالى ، وتارة بلحن القول ، وتارة بخداع الفعل ، وتارة بالإنكار عليه في الحكم ، وتارة بشخص من الأشخاص الذي حبّه إيمان وبغضه نفاق . قال سعيد بن المسيّب : « ما كنّا نعرف المؤمنين والمنافقين في زمن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلّا بحبّ عليّ وبغضه . » 442
وسرّ آخر : في تخصيص إيمانهم باللّه وباليوم الآخر ؛ قيل : إنّ ذلك إشارة إلى المبدأ والمعاد ، وقيل : إنّ الإيمان باللّه إيمان بالغيب ، والإيمان بالآخرة أيضا إيمان بالغيب ؛ فأرادوا أن يدخلوا في زمرة المؤمنين بالغيب ، وقيل : أرادوا أن يجمعوا بين أوّل خصال المؤمنين وآخرها وهو الإيمان بالغيب والإيقان بالآخرة .
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
أي إنّ الكاذب وإن تشبّه بالصادق في كون القول فلا شكّ أنّه يمتاز عنه في كون الفعل ، وقد عدّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - علامات المنافق قال : « إذا قال كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . » 443
قوله - جلّ وعزّ - :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 9 ) اللغة الخدع والخداع أصله إخفاء الشيء ؛ والخديعة ما يضمره الإنسان ولم يظهره . يقال :