الشهادة وفيها كلّ الشهادة على كلّ حقّ وخير ؛ وصارت الصلاة مظهرا للشهادة ومستقرّا لها تستقرّ فيها ؛ وصارت الزكاة مظهرا للطهارة ومستقرّا لها تستقرّ فيها ؛ قال اللّه تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
فقوله :
اتَّقُوا اللَّهَ *
إشارة إلى الطهارة وقوله :
قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
إشارة إلى الشهادة ؛ فجميع الطهارات في التقوى وجميع الشهادات في قول : لا إله إلّا اللّه ، وبهما تصلح الأعمال للقبول ، وبهما تستعدّ الذنوب للمغفرة .
ثمّ ذكر سبحانه بعد الطهارة والشهادة ومظاهرهما الإيمان بالكتب كلّها ، والإيقان بالآخرة وأحوالها ؛ إذ كان نزول الكتب مبادئ الديانات ، والآخرة مظاهر الكمالات ؛ فوجب الإيمان بالمبادئ والإيقان بالكمالات . فكانت الآيتان السابقتان مشتملتين على مبدأين ومظهرين مخصوصين ، وكانت الآيتان اللاحقتان مشتملتين على المبادئ كلّها ، والكمالات كلّها ، وقد قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ .
وسرّ آخر : أنّ الأمر الأوّل لمّا ظهر بالكلمات القدسية ، وظهرت الكلمات بالقرآن المجيد حتّى أبصروه بأعينهم ، وسمعوه بآذانهم ، وعرفوه بقلوبهم ، وصدّقوه بألسنتهم ؛ ومظهره الأوّل في هذا العالم شخص المصطفى - عليه السلام - أو نفسه أو روعه أو قلبه ؛ وعلى كلّ لفظ نصّ ؛ فكانت المظاهر في كلّ كون منازل القرآن ؛ وذلك معنى الإنزال والتنزيل من غير انتقال بتخيّل ؛ وذلك كالمرايا المتقابلة التي تظهر فيها صور الموجودات ، في أوحى ما يقدّر ، وأسرع ما ينتظر ؛ وهو أيضا معنى الوحي والبعث في الروع ، قال اللّه تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
وهذا مظهر ؛ وقال :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
وهذا مظهر . وقال :
وَكَذلِكَ
( 59 آ )
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ،
وهذا مظهر ؛ وقال :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
وهذا مظهر ؛ وقال :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
وهذا مظهر ؛ والشخص من حيث هو كلّ مظهر القرآن ، ومن حيث السمع والبصر والفؤاد مظهر القرآن ؛ ومن حيث اللسان والقلم مظهر القرآن ؛ وهذه المظاهر ترجع إلى المصادر لا محالة ، والجزئيات تعود إلى الكلّيات ؛ فيعلم من تنزيل القرآن تأويله ، ويعرف من