والثاني : بإضمار « هو » كما قدّمناه .
ثمّ ما يهتدى به فهو هاد وهدى ؛ وروى شيبان عن قتادة قال : جعله اللّه هدى وضياء لمن صدّق به ، ونورا للمتّقين ؛ ونحوه قال السدّي ، ورواه عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - ؛ وقال الكلبي ومقاتل : هدى أي بيان من الضلالة ؛ وقيل : هو هدى إلى الطاعة ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : يزيد بيانا لمن اتّقاني وعرفني ؛ وقد سبق معنى الهداية في تفسير « اهدنا » من الفاتحة ؛ وإضافة الهداية إلى القرآن إنّما يكون على معنى أنّه يهتدى به ، فهو الهدى ؛ والهادي . وقد يتّحد الهدى والهادي في القرآن كما يتّحد الهادي والهدى في النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - فهو الهدى وهو الهادي ، والقرآن هو الهدى والهادي . ثمّ تخصيصه الهداية بالمتّقين ، ومن حكم البيان أن يكون عامّا وقد قال اللّه تعالى :
هُدىً لِلنَّاسِ ؛ *
فيمكن أن يحمل على أنّ المنتفع به هم المتّقون ؛ ومن انتفع بشيء كان ذلك الشيء أولى به ممّن لم ينتفع به . هذا كما أنّ الكفّار لمّا لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم ، قال تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ؛
وقيل : إنّما خصّ المتّقين بالذكر تشريفا لهم .
[ الأسرار ]
ثمّ الهدى إذا أريد به نصب الأدلّة وبيان الحجّة فهو عامّ ، وإذا أريد به ما يقع به التبيين والاهتداء فهو خاصّ ؛ وهذا العموم والخصوص أبدا يجرى في المعاني والألفاظ .
وحكم المفروغ والمستأنف يترتّب عليهما حتّى لا يلزم الجبر والقدر ؛ ومن لم ير العموم والخصوص في القرآن ، ولم يميّز بين الحكمين كان بأيّهما متحيّرا . فتارة يميل إلى الجبر وينسب الهداية إلى اللّه تعالى ، ولا يرى لنفسه في ذلك استطاعة ؛ وتارة يميل إلى القدر وينسب الهداية إلى نفسه ولا يرى للّه تعالى في ذلك توفيقا ؛ وقد قال اللّه تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ،
وقال :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ،
وقال :
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ،
وقال :
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ، *
وهذا يدل على أن لا جبر ، وأنّ الهداية تتبع الإيمان . وهذا حكم المستأنف ( 52 ب ) . وقال تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ