الفصل الخامس في ما يستحبّ لقارئ القرآن ويكره له في الاستعاذة
ممّا يستحبّ للقارئ أن يتمسّك بالقراءات المشهورة المأثورة عن الصحابة والتابعين والقرّاء المعروفين ، ولا يجاوزها البتّة إلى شيء من اختراعاته أو الشواذّ من قراءات المتكلّفين ، وإن احتملت المعاني وصحّت في وجوه الإعراب .
ويستحبّ له أن يتخيّر « 1 » منها أفصحها لفظا ، وأجمعها معنى ، وأحسنها نظما واتّساقا ، وأجودها لغة وإعرابا ، دون المستبشع الوحشي الذي لا يعرفه بعض فحول القرّاء فضلا عن العوام ، كعنعنة تميم ، وكسكسة ربيعة 177 وغيرها من غريب الروايات ؛ فلا يبدل الهمزة عينا في قوله تعالى :
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ
فيقرأ « عن يأتي » وهذه عنعنة تميم ، ولا يجعل كاف المؤنّث سينا في قوله تعالى :
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
فيقرأ : « قد جعل ربّس تحتس سريّا » وهذه كسكسة ربيعة ؛ وكذلك لا يقرأ بالشواذّ من القراءات التي لا تصحّ طرقها ، ولا تؤثر روايتها إلّا أن يريد الوقوف عليها علما ، دون الأخذ بها قراءة ، بل ينبغي أن يلزم الواضح الشهير من القراءات والمأمون المعتمد من الروايات ، والنمط الأوسط في الترتيل ( 15 ب ) ، والحدّ الأقرب من الخفض والجهر ، لا يهذّه 178 هذّ الشّعر ، ولا ينثره نثر الدّقل 179 ، ولا يجهر جهرا مجهدا يقشعرّ منه جلد المستمع ، وينفر قلبه عنه ، ولا يخفض خفضا يخفي قراءته على من يقرب منه ، ولكن يحافظ على خير الأمور ، وهي أوساطها ، متمثّلا ما أمر اللّه به ونهى عنه نبىّ - صلّى اللّه عليه وآله - :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا .
ويروى عنه - عليه السلام - أنّه مرّ بأبي بكر ، وهو يخافت ، فقال : « ارفع شيئا » ، ومرّ بعمر وهو يجهر فقال : « اخفض شيئا » . 180
ويروى عن سعيد بن جبير أنّه قال : « اقرؤوا القرآن ضياء منه ولا تنطعوا . » 181
ويستحبّ له إذا حقّق « 2 » القرآن أن لا يجهد نفسه في التحقيق حتّى يجاوزه إلى الإفراط
هامش
( 1 ) . س : يخير .
( 2 ) . س : خفف .